مكتبة الموقع

 

اخبار وتشاطات

 
 

اغاني كشفية

 
 

 

 
 

الحقيبة الكشفية

 

 

 

 

معاً نحو القمة

الأب عماد الطوال

 

المقدمة

أسس اللورد بادن باول الكشفية عام 1907, وحدّد رسالتها في توضيح القيم الروحية والتربوية لدى الشباب من خلال إنعاش وإحياء الحدس الداخلي لديهم.

        وقد انتشرت الكشفية في العالم أجمع, وطُبعت الكتب ووزعت النشرات وكثرت المؤتمرات واللقاءات والمخيمات تحت عنوان "كشاف اليوم... كشاف للأبد". ويقارب عدد المنتسبين إلى الكشفية اليوم حوالي 20 مليون كشاف من 155 دولة حيث يعيشون متأخين، "دون تمييز ولا تفرقة وإنما محبة وسلام".

إذا نظرنا إلى واقعنا المعاصر لرأينا أن الشباب فيه مثاليون ولكن دون مُثل عليا , لا يؤمنون بأن الأفكار تغيّر العالم ... لا يفكرون أنهم عماد الحياة , ولا يدركون بأن مستقبل العالم يعتمد عليهم . لا يفهمون بأن العالم سيكون بصورة أفضل عندما يصارعون من أجل عالم جديد . ولا يسألون ما معنى الحياة, فيعيشون على هامشها.

من هنا تأتي الروحانية الكشفية التي تسعى إلى تربية الشاب للبحث عن الحقيقة من خلال البحث والاكتشاف الشخصي . قال بادن باول يوماً: "يريد الشاب أن يصنع أمورا كثيرة, شجعوه وادعموا نشاطه حتى وإن أخطأ, سيروا به على الطريق السليم , فمن خلال الأخطاء يكتشف الصواب " . وقال أيضا: "إن كبح الأنانية ونمو الحب وخدمة الآخرين (هي دليل على حضور الله فينا ) تحمل للإنسان تغييراً كاملاً فيصبح سؤاله ( ماذا بإمكاني أن أعمل؟ ) بدلاً من (ماذا بإمكاني أن آخذ؟)" .

يتوجه هذا الكتاب إلى المرشدين الروحيين وإلى المنشطين والمربين في التربية الروحية والدينية. كتاب موجه إلى كل من يهتم في زرع الحياة الروحية في الكشفية. لذا أردنا وضعه بين أيديكم للتفكير في جوهر الكشفية وللإجابة على السؤال القائل: هل توجد روحانية كشفية؟ وكيف تدخل الكشفية في مغامرة التربية الروحية؟ نقول الكشفية هي نشاط حي، إنها تربة صالحة للنمو والازدهار، إنها "طريق" وهي "الروحانية" لما نراه من تغيرات وتطورات في المجتمع وفي الكشفية... فنحن أمام تحدّ... ومنه ندعو أن يُطرح هذا الموضوع للبحث والتحليل في كشفيتنا وفي كنيستنا, متأملين ومفكرين في مسيرة العالم والكنيسة والكشفية... فالكشافة هم أصحاب رؤية, ينظرون إلى المستقبل بالأمل... قال أحدهم: "عندما نحلم بمفردنا يبقى ما نراه حلماً... ولكن عندما نحلم معاً يكون ما نراه بداية حقيقية لغد حقيقي"... لنعمل معاً على بناء كنيسة الله وكشفية الأراضي المقدسة بالكلمة والحياة.

كلمة شكر وتقدير لمن أغنوني في العمل الكشفي حيث ترجمت هذه المبادرة  ثمرة العلاقات واللقاءات والمحاضرات والمشاركات المختلفة مع مكتب الكشاف الكاثوليكي العالمي ICCS  ومكتب المرشدات الكاثوليكي العالمي ICCG  والكشاف الكاثوليكي الالماني DPSG  والفرنسي  SGDF والايطالي AGESCI  والاسباني MSC ولن أنسى المكاتب العربية في لبنان وفلسطين ومصر. بالاضافة إلى الخبرة الطويلة مع مكتب الهيئة العامة لكشافة ومرشدات اللاتين التابع لمطرانية اللاتين/ الأردن، التي علمتني الكثير في العمل الكشفي والروحي.

الكشفية ليست جماعة منغلقة على ذاتها "نادي منغلق" وإنما مكان لتحقيق الوعد الكشفي وتنفيذ القانون لإغناء النمو الروحي والتربوي والديني والإنساني لدى الأفراد. فليرَ كل مرافق ومنشط للشباب ومربًّ في الحركة الكشفية, أن هناكَ سبيلاً لتنمية الإيمان والخبرة الروحية من خلال العمل الكشفي.

المؤلف

الفصل الأول

الروحانية الكشفية

أ‌-         الروحانية:

تسعى الكشفية دائما شأنها شأن الكنيسة إلى تحقيق ملكوت الله على الأرض , وذلك بأن تنمّي بين الشباب الروح في الإرادة الصالحة والتعاون مع الآخرين في الحياة اليومية. الكشفية ليست حركة روحية وانما حركة تربوية تنزرع في عمقها التربية الدينية والروحية وتحفظ لها حيزاً هاماً في العمل الكشفي.

         لقد أعلن المؤتمر العالمي للكشاف في تسالونيكي 2001 استراتيجية واضحة للرسالة "دور الكشاف هو الإسهام في تربية الشباب من خلال زرع القيم المبنيّة على الوعد والمنهاج الكشفي في سبيل بناء عالم أفضل وتطوير مجتمع أرقى..."... بهذه القيم في الكشفية نستطيع أن نتكلم عن روحانية كشفية مسيحية . روحانية: أي صورة مسيحية للسير على خطى المسيح ... في الكشفية هنالك الكثير من الطرق للسير مجهزين بجميع اللوازم الضرورية ( الخيمة , الشنطة , العصا, الماء, الخبز...) .

     الروحانية هي نفس الطريق, أي السير بالشاب تجاه الطريق, السير هو الحركة, والحركة هي نشاط وحيوية وفاعلية,  هي الكنيسة التي تسير نحو الملكوت. بالكشفية نسير معاً ونبني علاقة, وبها نجدد محبتنا للكشفية في كنيستنا ونكتشف السيد المسيح في كشفيتنا ونبني جماعتنا من أجل بناء ملكوت الله . الروحانية هي عمل الروح القدس في المسيحي والكنيسة لاختبار حياة الله في الحياة العملية. إنها "طريقة عيش الانجيل" أي تجسيد كلمة الله في الواقع المعاش.

        فالإنسان مخلوق على صورة الله ومثاله , ولا قيمه له , إلاّ بمقدار ما تنمو هذه الصورة فيه وتتكامل . وما يُؤسف له أننا نرى بعض الكشافة , لا يدركون هذا البعد الروحي , ولا يدخلونه في حساباتهم , بل يمارسون كشفيتهم على مستوى التسلية والمظاهر والاحتفالات الخارجية والعرض الموسيقي....

فالكشفية هي مجموعة أشخاص يعيشون بُعداً روحياً من خلال تكتيك وتقنية كشفية لبلوغ حقيقة إنسان مسيحي ملتزم وناضج وواعٍ. بهذا الاتجاه تبني خبرة روحية عميقة, وذلك من خلال توضيح الرؤية للآخر, للإنسان , للعمل , للفضائل المختلفة , للجماعة, التي تتحول في العمق الداخلي إلى كنيسة , كنيسة أولى " قلباً واحداً ونفساً واحدة " مبنية على المحبة والخدمة... قال بادن باول : " يهدف الكشاف إلى إعداد رجال ونساء يتمتعون بالصحة والسعادة والجاهزية للخدمة المجانية ... الاستعداد الدائم للعمل حتى في اللحظات الحرجة...".

       العمل مع الشباب في رسالتنا بألفة ومحبة رسالة الإيمان, وهذا ما أكده بادن باول بقوله: "يسعى الكشاف إلى التربية على المحبة لا على الخوف...". إعلان كلمة الله من خلال شهادة الحياة والعمل بها, فالقائد الروحي يتكلم باسم الله , فهو صورته الحقيقية والمرئية . ومن هنا تأتي الثقة بالذي يعلن كلمة الله والمسؤولية في ترجمتها وتحويلها إلى حياة ... قال الأب سيفان " الكشفية هي العمل في أن يبلغ كل شاب الدرجة القصوى من القدرة البشرية في المعرفة والحياة حسب الإنجيل".

ب- الجذور الدينية في العمل الكشفي لدى بادن باول:

1.    الكشفية:معرفة الحس الديني لدى بادن باول الموجود في "جذور" المنهاج الكشفي.

2.  كشفية المسيحية: كيفية استغلال الأب جاك سيفان للمنهاج الكشفي لبادن باول ووضع البعد الروحي في العمل الكشفي بصورة مثمرة وفعاّله. لم يقم الاب سيفان بوضع نظريات حول "روحانية كشفية" إنما عاش بكل فخر واعتزاز وانتماء إلى الكشفية التي زرعها المؤسس اللورد بادن باول.

3.    الجذور المسيحية والعمل الكشفي: كيفية اكتشاف الجذور المسيحية واللاهوتية - الكتابية في دينامية العمل الكشفي والتربوي من خلال: الوعد, حياة الفرقة, الخدمة, الطريق, المخيم... الخ.

إن العلاقة بين الكشفية والدين هي من المواضيع الأكثر طرحاً في الكشفية المعاصرة. نحن نعلم أن بادن باول هو ابن لقس انجليكاني, ونشأ في أسرة مسيحية محافظة, ومنها وضع المنهاج الكشفي.    وأكد أنه لا يوجد كشفية بدون دين, وكتب: "إن الإنسان بدون دين لا قيمه له ولا معنى"... إن الدين أمر سهل: "أحبب الله واخدم القريب".

        عندما صدرت أول وثيقة كشفية عام 1908 "كشفية للأولاد" "Scouting for boys" (Eclaireurs) في 400 صفحة. لم نجد سوى فقرتين مخصصتين حول الدين, فطُرح السؤال على بادن باول أين نجد التنشئة الدينية في البرنامج الكشفي؟ فأجاب: لا يوجد برنامج, لأنه في جوهر وعمق العمل الكشفي. وهكذا عندما نُفعّل الكشفية عملياً فإننا نضع الإنجيل في عمقه... هذا يعني أننا نطبّق الإنجيل على أرض الواقع. ويضيف بادن باول أنه يوجد طريقان لمعرفة الله: التأمل في الكتاب المقدس, وقراءة كتاب رائع هو كتاب الطبيعة, من خلال رؤية عظمة الله في الطبيعة والجمال والتأمل بها.

نستطيع تلخيص فكر بادن باول الديني من خلال النقاط التالية:

أ‌)   لم يرد بادن باول تأسيس دين جديد وإنما وضع صورة جديدة لعيش الدين وتطبيقه: لقد وجد الكشفية لتطبيق الدين واقعياً وليس الاقتصار على الفكر اللاهوتي التقليدي. لا ينفصل الدين عن الحياة الكشفية, وإنما هما عنصران لإنسان متدين ومؤمن.

تهدف الحركة الكشفية إلى تربية الإيمان ونموه, وتطبيق المسيحية في حياتنا وأعمالنا اليومية, وليس فقط إعلان إيماننا يوم الأحد. حياة المخيم والطبيعة الجميلة والهدوء هي أوقات مهمة للقاء الرب, ويجب خلال فترة المخيم وضع وقت كاف للصلاة. فبعد كل نشاط يجتمع الكشافة ليتباحثوا على ضوء الإنجيل, كيف قاموا بهذا العمل أو النشاط.

ب‌)  إن الدين ليس مكوّناً للمنهاج الكشفي الذي يمنح للآخرين: يدعو بادن باول إلى الاستمرارية بين العمل والدين, بين الحياة والإيمان. يعتقد بادن باول أن الله والدين في الكشفية يزرعان الانسجام الطبيعي في العمل الكشفي, ويكوّنان البعد الداخلي في الكشفية التي يعيشها الكشافة خارجياً. ويقول: "تريد المدرسة تربية الإيمان لدى الطفل من خلال الغرفة الصفية, أما الكشفية, فتقوم بتربية الإيمان من خلال كسر الحواجز والخروج إلى الطبيعة, وتحت أشعة الشمس والسجود لعظمة الخالق بخليقته".

        إنها الكشفية التي تبني ملكوت الله , بهذا الواقع كتب بادن باول: "إنه جيدٌ أن تكون صالحاً, ولكن الأفضل أن تعمل الشيء الصالح" "يمكنكم أن تجعلوا من المستحيل ممكناً". وهذه الحقيقة المتجذرة بالكشفية من خلال خدمة القريب هي مفتاح الكشفية. إن الكشفية ليست فقط لعبة, وإنما هي منهاج حقيقي للتربية المسيحية.

أما المحاور الأساسية التي بنى بادن باول على أساسها هذا النهج فهي:

1)    العلاقة مع الذات: إنها دعوة للعيش بالحقيقة مع ذواتنا لإكتشاف كوننا فريدين ضمن الجماعة.

"ليكن كلامكم نعم نعم ولا لا" (متى 5/ 37)

اكتشاف فريد من نوعه تستطيع القول: نعم أو لا... يقود هذا إلى الالتزام بحرية حسب قانون الكشفية... التزام فريد, حرّ...

إنسان اليوم موضوع ضمن قالب, فهل بإمكاننا أن نعبّر عن ذواتنا, وأن نعلن أفكارنا بوضوح وجرأة؟

بالكشفية لا نكون أرواحاً طاهرة, ولا أجساداً, وإنما انشراح ونضوج في الإنسان كما هو. الكشفية سهلة, إنها تدعو إلى النظر, الملاحظة, قراءة الحدث, اكتشاف الحياة, من أجل حياة أكبر وأعمق...

فالكشافة مجموعة من البرامج والأنشطة تهدف إلى تكوين المواطن الصالح. فتصقل مواهب الجميع, ويتعود كل فرد أن يعتمد على النفس.

2)    العلاقة مع الجسد: إنها دعوة للعيش بارتياح في جسدنا لتنمية إمكانياته: الركض, السير, التغذية...

"يا صبية أقول لك: قومي" (مرقس 5/ 42)...

لتجدد الحياة اليومية وبشكل مستمر والصحة العامة, فهل بإمكاننا أخذ المبادرة في سبيل حياة أفضل؟

3)  العلاقة مع العالم: (الأشياء, المادة, الطبيعة). إنها دعوة للقدرة على استعمال المواد... لتعلّم الخلق... للإبداع... لمجابهة مشاكل الحياة وإعطائها أجوبة ملائمة.

"انموا واكثروا واملأوا الأرض واخضعوها" (تكوين 1/ 28)

فهل بالإمكان أن نبدع... ونحترم... ونستخدم بذكاء العالم الذي يحبطنا؟

4)  العلاقة مع الآخرين: إنها دعوة لعيش علاقات حقيقية... لعيش اللقاء... لعيش المواجهة... لعيش الاتصال, وذلك من خلال اللعب والعمل المشترك, نتعلم التضامن والتكامل في سبيل الخدمة.

"لا يحسن أن يكون الإنسان وحده" (تكوين 2/ 18)

فهل بالامكان تجاوز اللامبالاة والخوف والعزلة والعدوانية في سعي نحو الآخرين؟

5)  العلاقة مع الله: السير على درب الإيمان... هو الانطلاق في المغامرة... هو الانطلاق سوية في المغامرة... لاكتشاف محبة الله... لا يمكن للإيمان أن يحيا إن لم يشارك... فلكل عضو في الكشفية مكانه في المجموعة وفي الكنيسة, واذا سمحت الكشفية بذلك وسارت بقوة الإيمان فهذا يعني: إنها مرسلة.

كان ينقص تلميذا عمواس شيئاً واحداً ليلتهب إيمانهما ولا يبقى على مستوى العقل والمعرفة: بينما كانا يسيران ويتناقشان على الطريق, اكتشفا أن واحداً يسير معهما... وأن هذا الشخص هو يسوع الحي... لم يستطيعا عيش هذه الخبرة إلا لأنهما سارا سوية على الدرب... درب الإيمان.

بعد أن نسير سوية على الدرب, وعندما نصل إلى هدف المغامرة لا بدّ من التوقف, وأخذ متسع من الوقت للتقييم وإعادة قراءة أحداث ما عشناه... حينئذ نستطيع أن نختبر حضور يسوع بيننا... وأن نعترف بيسوع بيننا... وأن ما تفعله يهمه... وأنه بحاجة لأعمالنا, لمغامراتنا, لتجاربنا, كي ينمي حياته حولنا... كل هذا يساعدنا على النمو في الإيمان.

ج- الكشفية المسيحية عند الأب جاك سيفان

ولدت الكشفية خارج الكاثوليكية, في حضن الكنيسة الإنجيلية حيث كان بادن باول إنجيلياً. ولكنه أقام علاقة وطيدة مع الكاثوليكية, حيث أكد أمام الكاردينال Villeneuve في كندا: "فقط الكنيسة الكاثوليكية التي فهمت سمّو الكشفية التي أحلم بها".

إنه الأب جاك سيفان الذي طبّق وتبنى المنهاج الكشفي الانجليزي في الكشفية في فرنسا, وأضاف عليها النكهة التربوية الإيمانية, وجعل الإيمان عطراً للكشفية, وحقق فكر بادن باول في الإيمان والتطبيق. ولكن كيف تمّ ذلك فعلياً؟

1.  على التربية الدينية أن تتحد وتتواصل مع التنشئة التقنية: كتب الأب سيفان في كتابه "Scoutisme" (الكشفية): إن الدين هو جوهر الكشفية , لأن الكشفية تهدف إلى تنشئة الإنسان الكامل... نحن أمام حضور كامل في التربية والتقوى, والكشفية هي تطبيق فعلي يجذب الشاب من خلال زرع الروحانية الكشفية مع الاحتفالات الكنسية... فكونّ رهبنة الصليب المقدس, ووضع الصلاة الكشفية المستوحاة من كتابات القديس اغناطيوس ده ليولا. الكشفية هي تجسيد اللاهوت في عمق التربية الكشفية.

2.  الكشفية هي التطبيق العملي Praxis للرسالة الإنجيلية: من هنا تدعو الكشفية المسيحية إلى استخدام الألفاظ الإيمانية والإنجيلية من خلال المجموعات والطلائع "أن نعمل الأفضل", "أن أكون جاهزاً دائماً", "الخدمة", "أن أكون عاملاً في حقل الرب". عرض الأب سيفان على الكشاف قاعدة ذهبية وهي: "إن الكشاف فخور بإيمانه ويخضع له كل حياته". وقد كتب في إحدى قصائده "إن قانونك الكشفي, قانون مقدس وعبيره عطر الإنجيل". "إن قانونك الكشفي هو شريعة يسوع".

3.  دخول الكشفية المسيحية في الحركة الديناميكية الكتابية لتاريخ الخلاص: كتب الأب سيفان يوماً "ان الكشفية هي الدخول في فهم جديد للعالم من خلال تمجيد الله في خلقه...". وهكذا بدأت الرغبة لمعرفة الكتاب المقدس الذي يعتبر جوهر وحي الله... على الكشفية إظهار عمل الله وتعميق الإيمان من خلال نشاطاتها وبرنامجها.

          إن الكشفية هي مكان الوحي للخبر السار. والخبرة المعاشة هي مكان الوحي. ليس المهم هو قراءة فقرات من الكتاب المقدس أو فقرات من العهد القديم, وإنما تفعيل كلمة الله وحضوره من خلال المحبة الأخوية في النشاطات مع المجموعات. إن التربية على الإيمان في الكشفية تعمق البعد الروحي الذي يمنحه الله في الكتاب المقدس.

        لدينا لاهوت التجسد وعلم الكنيسة لشعب الله, والكشفية تقارن بشعب الله الذي يخيّم في الصحراء ويحاول اكتشاف طريق الله. فالكشفية هي مسيرة عهد مع الله من خلال خدمة الآخرين.

4.  تسعى الكشفية من خلال الصلاة والتقشف لوضع كلمة الله حيّز التطبيق.الكشفية هي طريق روحي من خلال حياة الخلاء والمخيم. إنها تقشف بالخدمة, وخبرة المسير في الكشفية, هي أسلوب مثابرة وحياة سير على خطى الإيمان.

        إن الكشفية التي تتبنى روح المبادرة, وتذوّق الطبيعة والبحث عن تنمية الجسد, هي فعلاً تبرير لاهوتي, وحضور حقيقي في سرّ التجسد. كتب يوماً الأب سيفان "إن حياة المخيم هي شهادة حقة للبقاء في خيمة الرب للنمو الروحي للكشاف الحقيقي".

د- روحانية كشفية:

          الكشفية هي حركة في مسير دائم ومستمر. انها حركة ديناميكية تتفاعل وتعمل في عالم متغير وفي نمو مستمر. قال الأب جاك سيفان "علينا تنشئة الإنسان كاملاً" أي النمو بالشاب نحو القمة والكمال والنضوج ورقي قيمته الانسانية.

الروحانية هي أسلوب وطريقة لبناء علاقة مع الله والايمان والعمل من خلال التعبير عن ذلك من خلال الصلاة والاحتفال والعيش الحقيقي للانجيل المقدس وبناء التواصل مع الاخرين. ولكل روحانية رؤيتها الخاصة في العمل (البنديكتانية، الفرنسيسكانية، الاغناطية، الوردية، الرعوية...) التي تعبر عن تلك العلاقة بطريقتها الخاصة. فالروحانية ليست نظرية إنما حياة. إنها طريق نحو الحياة الأبدية.

          تضع الروحانية أمام المؤمن أسئلة عديدة حول "نعم" و"لا" في عالم اليوم ولكن الكشفية تعيش هذا الإنسان بكل احتياجاته لِ"نعم" ولِ "لا" في الطبيعة والعلاقة مع الآخر والذات. تضع الكشفية طريقاً واضحة للاقتداء بالمسيح والعيش على مثاله في الطبيعة وبناء العلاقة مع الآخرين (سار معهم... عاش معهم... أكل معهم...) فالمسيح حاضرٌ في جماعته.

          تعيش هذه الكشفية بالبساطة في العمل والفقر في العيش وبناء العلاقة مع الله من خلال عظمة الخلق والطبيعة وجمال العمل باليد وزرع روح الفريق الواحد من خلال التعاون المشترك.  فما هي هذه الروحانية:

1.  روحانية التجسد "لقد سكن الله بيننا" أي بنى خيمته في حياتنا العملية والكشفية وشاركنا نشاطاتنا المتنوعة، فكان حاضراً وفاعلاً بيننا. وفي مسائنا يسكن في خيمتنا عند إخماد النار وعيش الخلوة والصمت والصلاة.

2.  روحانية تأملية: الكشفية طريق الخلق، نحترمها ونقدرها ونخدمها ونكتشفها ونشكر الله على هذه العطية فتتحول إلى صلاة كشفية.

3.  روحانية "الخيمة المتنقلة": نسير بالكشفية على خطى إبراهيم وموسى والرسل ونتنقل من مخيم إلى آخر ومن مسير إلى آخر، ومن خيمة إلى أخرى، وننتقل في المسير الليلي تحت حماية النجوم. الكشفية هي مسيرة نحو أرض الميعاد، إنها الروح التي تقودنا إلى قلوب الآخرين. الآخر هو طريقنا نحو الله.

4.  روحانية الخدمة: الكشفية هي طريق نحو الآخر ونحو الفرح تقودنا لعيش صورة المسيح الخادم والمضحي حتى الصليب. لهذا أعطانا الأب سيفان صلاة القديس اغناطيوس ده ليولا لتكون صلاة الخدمة الكشفية واستخدم الصليب لتكون علامة التضحية. إنها شمولية الفداء.

5.  روحانية التزام: الوعد والقانون في الكشفية هما علامة حقة للالتزام الحقيقي في حياتنا الكشفية. نسير على خطى "تلميذي عمواس" ونكتشف المسيح في حياتنا ونترجم ذلك بالتزامنا في المجتمع.

6.  روحانية رسالة: لم توجد الكشفية لكي تكون "نادياً" او "حزباً" منغلقاً لإشباع رغبات فئة من الناس. وإنما أراد المؤسس أن يقدم خدمته إلى شباب وطنه وشعبه الذي يعيش في أزمة ثقة وبناء. رسالة الكشفية واقعية وهي "الإيمان بمستقبل الأطفال والشباب. الذين هم أمل المستقبل". وتضيف الكشفية المسيحية بُعداً آخر في الرسالة وهو عيش الإنجيل والإيمان وترجمتها بالكشفية إلى رسالة في الكنيسة والمجتمع. هذا ما يزرع الفرح والأمل والثقة لنكون رعاة للإنجيل وعاملين في حقل الله لبناء الكنيسة والمجتمع.

 

الفصل الثاني

اللقاء

  يعتبر اللورد بادن باول مؤسساً للحركة الكشفية العالمية ويعتبر الأب جاك سيفان مؤسساً للحركة الكشفية الكاثوليكية في العالم. كيف تمّ اللقاء بين إنجليزي وفرنسي؟ إن الرابط المشترك بينهما هو عشقهما وحبهما للتربية وانفتاحهما للبعد الشمولي للأخوة. استند بادن باول في رسالته إلى مبدأ أن في كل شخص على الأقل 5% صالحاً, وعلينا العمل معه بذلك. لذا لا بد من جعله مواطناً صالحاً وسعيداً وفعالاً وصانعاً للسلام.

أ-  روبرت بادن باول : ولد سنة 1857 من عائلة ارستقراطية كثيرة الأولاد فكان له أربعة أخوة وأخت واحدة  وله أخوات أخريات من والده. كان والده أستاذاً في جامعة اكسفورد (بدرجة بروفسور) وأمه هنرييتا ابنة أميرال البحر , أما هو فلم يكن ذلك التلميذ العبقري أثناء دراسته الابتدائية ولكنه كان يحب الرحلات والمغامرات منذ نشأته, فكان يذهب مع أخوته في القارب للصيد في نهاية الأسبوع والفرص فيقضون أياماً وليالي في الأنهار والأحراش يصطادون ويطبخون وينامون في الأحراش. فاعتاد منذ صغره على حياة الخشونة والاعتماد على النفس مع أنه من عائلة غنية نوعا ما.

وفي سنة 1876 التحق بالجيش. وفي حرب البويرس 1899حوصر بادن باول ورجاله في قلب مافكنج, وطال حصاره وقد اعتبرته إنجلترا نذير شؤم, ففكر بادن باول الاستعانة بالشباب لفك الحصار ووزع عليهم أعمال الخدمات العسكرية كالحراسة والطهي ونقل الرسائل وتدريبهم على ذلك فكثر عددهم, وتمكن من فك الحصار بعد 217 يوم. وبعد هذه المعركة عاد بادن باول إلى إنجلترا عام 1901 وأصبح في نظر الجميع بطلا وطنيا عظيما, لاحظ منفعة الأولاد عند إعطائهم بعض المسؤوليات. في سنة 1899 نشر كتابا للجوالة في الجيش البريطاني . وتمنى إشراك الأولاد في المثل العليا. وفي إحدى كتاباته سنة 1901 لأحد الشباب , طلب باول منه أن يقوم كل يوم بعمل صالح لكي يتمرن على العطاء للآخرين .

        اتصف اللورد بادن باول بحدة الذكاء وقوة الملاحظة منذ نشأته , فبذكائه ورجاحة عقله استطاع أن يفهم متطلبات شعبه. فقد لاحظ علامات الانحطاط بين أبناء شعبه وخصوصا الفقراء وهم الأكثرية في بلاده في ذلك الوقت لعدم تمكنهم من التعلم في المدارس , كذلك كان هناك فراغ شاسع في جهاز التعليم والتربية بين الطبقتين الغنية والفقيرة وتدهور الرياضة. والتدريب العسكري  كان على وتيرة واحدة  فكان يدوّن كل ملاحظاته في مذكراته .

ومما لاحظه أن طرق التدريب في الجيش طرق قديمه وبطيئه جدا وهي إطاعة الأوامر إطاعة عمياء وضياع وقت طويل في تفقد صفوف الجيش , لا يجوز انتقاد أو نقاش خطة القيادة. وأراد هو بعض التغييرات, ولكنه لم ينتقد خطة القيادة مباشرة لعدم السماح بذلك , فما كان منه إلا أن أدخل بعض التغييرات في فرقته فوضع الإصلاحات الأولية مستهدفا بذلك تربية جنود واثقين بأنفسهم ساهرين  على تادية رسالتهم, وليس آلات أوتوماتيكية منفذة للأوامر فقط .

وهذه التجربة الجديدة في كتيبته شملت تمارين رياضية حديثة, وتمارين تهدف إلى الاعتماد على النفس والجرأة وقوة الملاحظة . وقد احتوى منهاجه سبع نقاط .

أولا           كيفية إيجاد الطريق ( دروس في مبادئ الطوبوغرافيا )

ثانيا كيفية التستر بحيث ترى ولا ترى .

ثالثا           اقتفاء الأثر .

رابعا          صنع الخرائط والتخطيطات .

خامسا        قوة الملاحظة والفراسة .

سادسا        كتابة التقارير .

سابعا           التجسس .

وقد تكللت تجربته هذه بالنجاح, فجمع هذه المادة مع مرور الزمن في كراس اسماه (مساعد الاستكشاف) وضمنه تجاربه العملية وملاحظاته . وبعد ذلك رأت الحكومة البريطانية هذا النجاح فأمرت بتعليم هذه المادة في التدريب للجيش البريطاني .

كان بادن باول إنساناً ليناً متواضعاً على الرغم من نشأته في احضان طبقة ارستقراطية نشأت على التكبر والغلظة والغطرسة. كان صادقاً موثوقاً بذمته أسيراً لكلمته بين قوم لا يصدق ساستهم في وعودهم , وكان إذا خطب أخذ صوته الجهوري ومنطقه السليم بمجامع القلوب فكان محدثا ممتعا مرحا, إذا تحدث استهوى النفوس وسحر الألباب, وكان أيضا موهوبا في فن التمثيل والرسم. كان ماهرا في المزاح والدعابة ولكنه اذا مزح او داعب لا يجرح  إحساس أحد ولم يؤذ شعور إنسان . وأثناء تجواله في البلاد والقارات رأى بأم عينه كيف يذلُّ الإنسان أخاه الإنسان, وشاهد كيف يفرّق بين الأجناس  والأديان والألوان , فتألمت نفسه الزكية الصافية وثار ضميره النقي الحي فعزم على القيام بعمل يقلل الفوارق بين الناس وكلهم من آدم وحواء . عزم على هذا الأمر وحقق الله له فيه فيما بعد , فدوّن كل هذه الملاحظات في مذكراته وعزم على تحقيقها. وأثناء تنقله في أفريقيا استفاد مما شاهده ومرّ به وتعلم من الشعوب المختلفة الأشياء المفيدة ودوّنها.

وبدأ بالتفكير بنظام الجوالة. واصطحب في تموز عام 1907 , عشرين ولداً لمخيم تجريبي وكوّن دوريات من سبعة أفراد ووضع رئيسا لكل دورية حتى ينمي فيهم خلال الألعاب والحياة اليومية, العلاقة مع الطبيعة , وروّج الملاحظة والخدمة . فنشر بعد ذلك كتاباً للكشافة, وبدأ بالتفكير بتكوين الحركة الكشفية . فطلب منه الملك إدوارد الثامن ملك إنجلترا, ترك الجندية وتكريس ذاته للحركه الكشفية, التي أعطاها شعاراً " كن مستعداً " . هذا شعار الكشاف, ومن  في حكمه: ن على الكشاف أن يقوم بخدمة الآخرين بترويض نفسه على الشجاعة والإقدام وسرعة الحركة والحذق في تكيف الأمور كما ينبغي". وقد كانت شعارا للفرسان والأبطال الأقدمين ومعناه أن يكون الكشاف بحالة استعداد دائمة لمواجهة جميع الأحداث والظروف التي تحيط به.

وأصبح بادن باول رئيسا للحركة الكشفية, وأخذ ينشر المسابقات الثقافية في الصحف, وينظم للفائزين بتلك المسابقات مخيمات حتى سنة 1910. وحقق حلمه عندما جمع في قصر الكريستال في لندن حوالي 11 ألف كشاف وقائد أخذوا يعرضون أمام الجمهور المحتشد كل ما تعلموا من فنون وألعاب. وقد كان لاجتماع قصر الكريستال أثره الكبير في تقدم الحركة الكشفية, فقد تطورت سلوكيات الشباب, وتحسنت معاملتهم ومساعدتهم للناس، ويذكر أن كشافاً أرشد سائحا أمريكيا على طريقه في ضباب لندن, ثم رفض بكل أدب أن يأخذ من السائح أي مقابل مما دفع الأمريكي عند عودته إلى بلده إلى تأسيس فرع للكشافة هناك, ثم امتدت الحركة إلى كندا وتشيلي وبعدها إلى العالم أجمع.

وفكرة باول في تأسيس الحركة الكشفية هي إعداد شباب اليوم ليكونوا مواطني المستقبل, وأن يكتشفوا سرّ السعادة الذي يقوم في محبة الله وخدمة القريب، وفي نسيان الذات للعمل يوميا لسعادة الآخرين.

وفي عام 1920 تحقق الحلم الأكبر لبادن باول عندما تجمع من أنحاء العالم نحو 6000 كشاف في أولمبياد لندن, وسمي هذا اللقاء  ((جمبوري)) وخلال هذا اللقاء عُينّ بادن باول رئيساً لكشافة العالم، وفرضت عليه هذه الرتبة بأن يقوم بجولة حول العالم رغم كبر سنه, فقد كان يدير كل سنة لقاء له في بلد مختلف وكان آخر لقاء له في النرويج, وكان عمره 84 سنة حيث ودّع جميع كشافي العالم بحضور 26000 كشاف حضروا من مختلف أنحاء العالم، وتوفي بادن باول عام 1941 بعد أن أنجز رسالته الأخيرة وقام بعدد كبير من المخيمات والمهرجانات الدولية للكشافة في أرجاء العالم.

أما العلامة الثاني هو الأب جاك سيفان الذي ربط المنهاج الكشفي بالإيمان (الإنجيل والكشفية). لقد اكتشف خطوات الله في القانون الكشفي وزرع البعد الروحي الحقيقي الذي تحمله الكشفية. لم يصنع الأب سيفان كشافاً مسيحياً بل وضع الكشفية التي أسّسها بادن باول في حقل الإنجيل المقدس والعلاقة مع الله. وهكذا يقرأ الكشاف في نشاطه وعمله عمل الله ويلتصق به بالإيمان.

ب-الأب جاك سيفان : ولد الأب جاك سيفان عام 1882 في مدينة ليل بشمال فرنسا. في سن الثامنة عشرة من العمر , شعر بان يسوع يدعوه لتكريس حياته بكاملها , فاختار أن يكون كاهناً في جمعية الآباء اليسوعيين. بعد رسامته الكهنوتية بذل نفسه في مساعدة عدد كبير من الشباب حتى يتعرفوا على المسيح  ويحبونه.

في الفترة الأولى من حياته الرهبانية, مارس التعليم في الكليات, ودرّس أيضا التعليم المسيحي في المراكز للشبيبة المسيحية . وأثناء هذه المرحلة كان يتابع دراسته الجامعية ليصبح أستاذاً في اللغة الإنجليزية .  كان يحب الأولاد, وهم  يحبونه. وحيث أنه كان موهوباً في الفنون كالرسم والموسيقى, وفي كتابة الأشعار والقصائد, استغل هذه المواهب في خدمة الشبيبة.

في سنة 1913 تعرف على الحركة الكشفية, وبنظره رأى فيها عاملاً مثالياً لنشر روح الأخوة والخدمة تتجاوب مع تطلعات الشبيبة. وسرعان ما قرر الذهاب إلى إنجلترا لمقابلة بادن باول للاطلاع عن كثب على سير الحركة الكشفية , وقد آمن الأب سيفان , المربي والمحب للشبيبة, بأن الحركة الكشفية تستطيع أن تكون وسيلة فعالة في مجال التربية , وعاملاً قوياً في تكوين الشخصية من الناحية الإنسانية والروحية . ورغم أن إرادة بادن باول كانت في تأسيس حركة كشفية متعددة ومتنوعة العقائد, أسس الأب سيفان الحركة الكشفية الكاثوليكية في فرنسا, وأساسها : الشريعة والوعد والمبادئ . وكانت شارة الحركة  " صليب القدس " الذي يرمز إلى انتشار الحركة الكشفية في جميع أنحاء العالم . وفي سنة 1920 اعترفت السلطة الكنسية الفرنسية بالحركة الكشفية رسمياً .

اقتبست شارة الكشاف من زهرة السوسن التي كانت شعاراً لفرنسا حتى فتحها وليم الفاتح ملك إنجلترا, وتستعمل الشارة نفسها في جميع أنحاء العالم مع اختلاف بسيط وهو أن كل جمعية تضع رمزها الخاص في وسطها. وترمز هذه الشارة إلى التعارف وتذكير الكشاف بواجباته وعهده , فعندما يحملها يدل بذلك على أنه انضم إلى مجموعة من ملايين الكشافه المنتشرين في جميع أنحاء العالم, إذ أصبح واحداً منهم . وتصنع هذه الشارة من النسيج للباس الرسمي, ومن المعدن للباس العادي .

واظهر الأب سيفان أيضا الناحية الإنجيلية من الحياة الكشفية وقد شبهها بحياة السيد المسيح مع تلاميذه . يعرض الأب سيفان على الكشاف القاعدة الأولى : " أن الكشاف فخور بإيمانه ويخضع له كل حياته " .

إن الكشافة مدينون للأب سيفان بمقدار كبير, فبفضله حظي ملايين الشباب بأن يكونوا من عداد الكشاف الكاثوليكي. والأهم من ذلك كله, أنه استطاع أن يؤدي خلال حياته كلها شهادة حّية عن الكشاف المثالي, كشاف دائم الاستعداد , ومساعد بشكل مستمر لعمل مشيئة الله وخدمة الآخرين.

انقسمت الحركة الكشفية: الكشاف للأولاد , والمرشدات للبنات , وقد انتشرت بشكل رائع. ففي عام 1920 تم عقد لقاء عالمي في لندن , حضرة 8000 عضو كشفي يمثلون 24 بلداً . فأدى ذلك إلى انتشار الحركة الكشفية في العالم بسرعة , مما عمل على رفع عدد الكشافة لإقامة الاجتماعات الدولية ( جامبوريه ) التي أقيمت في هولندا , فرنسا , بريطانيا , سويسرا , الدنمارك , والمجر . فقد اجتمعت في كل هذه الاجتماعات عشرات الآلاف من جميع أنحاء العالم وقضوا أياما مع بعضهم البعض وتبادلوا شتى الأحاديث والآراء والخبرات المختلفة في مسيرتهم الكشفية .

يعتبر الكشافة والمرشدات جيلاً من الرجال والنساء يستطيعون تحمل المسؤوليات والانخراط في حياة الكنيسة والمجتمع . كم من الدعوات الكهنوتية والرهبانية والعلمانية , نشأت في هذا الجو الرائع من العطاء والسخاء والحماس . وقد صرّح الأب سيفان بان نجاح الحركة الكشفية مرتبط بإعداد المسؤولين . ففي سنة 1933 , افتتح مخيماً دراسياً وطنياً لهذا الهدف .

وتبنّت بلدان أخرى في أوروبا وفي العالم النموذج التنظيمي الذي أوجده الأب سيفان , واعترف الكرسي الرسولي , بعد مضي بضعة أعوام , بمساعدة جان كوربوزيه  والكونت كاربينيا , مؤسس الحركة الكشفية الكاثوليكية في بلجيكا وفي إيطاليا , بمكتب الكشافة الكاثوليكي العالمي , الذي يضم اليوم اكثر من 40 دولة.

الفصل الثالث

التربية الكشفية وجذورها المسيحية

         لنرَ أمثلة للتربية الكشفية وجذورها المسيحية: نبدأ بالمجموعة الكشفية والطليعة المصغّرة التي تبدأ طريقها نحو المخيم الكشفي, ونقوم بالخدمة لبلوغ الجبل حيث يتجدد الوعد الكشفي لتكوين مسيحي واع ومواطن مسؤول وكشاف ملتزم.

أ- حياة الفرقة أو الطليعة: أهم حركة ديناميكية في المنهاج الكشفي هي "حياة الفرقة", حيث نرى طلائعَ مختلفة وأعماراً متنوعة: (أشبال وزهرات, كشاف ومرشدات, جوالة وجوالات).

لقد ركز بادن باول على دور الطليعة والترابط والوحدة بينهم وإعطاء المسؤوليات وتوزيع المهام القيادية بينهم من خلال تحمّل المسؤولية بمبدأ "تربية الشاب من خلال الشاب".  إنه مبدأ التحوّل التربوي في الكشفية من خلال التحية الكشفية "الكبير يخدم الصغير والصغير يحترم الكبير", ويبدأ المخيم بالعمل التعاوني والجماعي (المطبخ, النظافة, الأعمال الريادية, الخدمة العامة...) وتبدأ مسيرة التربية الكشفية للطفل: "أن يعرف" "أن يعرف أن يعمل", "أن يعرف ذاته...".

من هذه الخبرة نرى ترابطاً مع تاريخ الخلاص, كيف؟

1.  حضور المسيح في حياة الفرقة: لنتذكر النصوص الكتابية "كلما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي كنت هناك بينهم" (متى 19:18) رؤية صورة المسيح في الصغير بخدمته "كلما فعلتم شيئاً لإخوتي هؤلاء الصغار فلي قد فعلتم" (متى 45:25).

ما هي الكشفية؟

أمن الممكن أن نكون كشافة دون معرفة بالكشفية؟

أمن الممكن ممارسة الكشفية من خلال تقنيات وعادات؟

الكشفية حركة تربوية, للأطفال والشباب, تهدف إلى تنمية قدراتهم, وتسعى لجعل الإنسان مسؤولاً, وصانعاً لنموه الذاتي... وتعطي لكل واحد طموحاً ليضع قواه في خدمة الجماعة. ويقول بادن باول: "... تتحضرون للسعادة منذ الطفولة, جاعلين من ذواتكم أقوياء وأصحاء, تفيدون وتستمتعون بالحياة عندما تبلغون".      ولكي يتم بشكل جماعي بناء مجتمع أكثر إخاء, تعرض الكشفية برنامج نمو شخصي مرتبط دائماً بعمل جماعي...

"إن تربية الشاب بوساطة الشاب هي اختيار مبني على الثقة" إن وجود البالغين في الحركة الكشفية شركاء للشباب وهذا يعني أن الحركة هي الشباب. أي الشباب المتحرك... الشباب الدائم التجدد... الشباب الديناميكي....

"أنتم الشباب, أنتم الرسول الأول ومبشرو عالم الشباب المثقل بكثير من التحديات والتهديدات. لذلك لا يمكنكم أن تبقوا صامتين وغير مبالين. عليكم أن تتكلموا بشجاعة عن المسيح وتشهدوا لايمانكم بطريقة عيشكم المستوحاة من الإنجيل. المسيح بحاجة اليكم, استجيبوا للنداء بكل شجاعة واندفاع خاص من ذواتكم. أقول لكم جميعاً, أيها الرسل, سيروا على الطريق... حاولوا أن تجدوا في أيام الحج, روح الحجاج القدامى, الشهداء الشجعان للإيمان المسيحي. وعلى هذا الطريق, تعلموا أن تكتشفوا المسيح الذي هو طريقنا, حقيقتنا, وحياتنا".

(البابا يوحنا بولس الثاني, 27 تشرين الثاني 1998)

2.  اكتشاف أننا شعب الله في التاريخ الذي يبنى: في الكشفية نقوم بخبرة عيش الجماعة فنرى في المجموعة بأن كل فرد يكوّن مكاناً قيماً وله دوره ويعبّر عن شعبه من خلال الزي والعلامات والإشارات والطريقة, فتميز المجموعات من خلال ذلك (أنهم شعب الله في مكان وحيز معين) وهكذا يعمقون انتماءهم المباشر لمجموعتهم بصورة حقيقية وسعيدة لشعب الله, الشعب المختار والمميّز.

3.                    يبنى التاريخ في الطريق, في المسير: روحانية الطريق والخيمة:  نتذكر بأن الطريق هي المفتاح الرئيسي لدى بادن باول. انه النظام التربوي الذي يسير به الفرد في الكشفية لنموه الجسدي والنفسي والعاطفي والاجتماعي ليكون صالحاً وسعيداً, مساعداً واجتماعياً. الطبيعة هي طريق معرفة الله والسير نحوه من خلال التأمل بالكتاب المقدس.

ب- المخيم في الكشفية هو:

1.  مسيرة "تاريخ الخلاص" وخبرة الله مع شعبه: نماذج حية: إبراهيم (تكوين 12 :1- 9), موسى (خروج 37:12-42), إيليا (ملوك الأول 19), المجوس (متى 1:2-12).

2.  تجديد شعب الله وفي المجموعة الكشفية بناء الكنيسة: سار شعب الله نحو الخلاص من خلال خبرة الصحراء, حيث العيش تحت الخيم (لبناء خيمة الله والسكن فيها), الخيمة كانت مدرسة الحياة الروحية.

مثال كشفي: نقوم بالمخيم الكشفي بالعيش في الطبيعية, نبني الخيمة, نبحث عن الحطب, نحضّر المطبخ, نجمع المياه... بهذه البساطة وفن العيش الطبيعي والأولي تمرين على الحرية وتقوية الإرادة والتحرر من جميع القيود التي تعرقل مسيرة النفس.

هكذا نتذكر سرّ التجسد ومعناه الجوهري: إن المسيح قد بنى خيمته فيما بيننا  (يو14:1) وبسفر الرؤيا "هكذا بنى الله خيمته بيننا وسكن معنا"  (رؤيا 3:21).                                                    

وتستقبل الكشفية مبادرة الله لهوشع "لذلك سأفنيها وأجيء بها إلى الصحراء وأخاطب قلبها" (هوشع 16:2). (أنا الرب إلهكم منذ كنتم في أرض مصر، وسأسكنكم في الخيام كما في أيام عيد المظال) (هوشع 10:12).

        لقد وجدت خبرة العيش في الخيمة في صلوات الأب جاك سيفان "هلم يا رب, وضع خيمتك في حياة الكشافة... وبعد أن تضعها يا رب, أنر بخيمة حياتنا وابنها بأدينا ونبقى تحت ظل حمايتك الساطع الخير علينا".

ج- القائد الكشفي:

       يرى الأب سيفان بأن السيد المسيح هو نموذج للقائد الكشفي. ويقول: "نعلم جميعاً بأن القائد الحقيقي الذي علينا أن نتبعه ونقتدي به هو السيد المسيح, الذي يسير بنا نحوه من خلال تعاليم واقعية, الحياة مع الجماعة, الثقة, المصداقية, السلطة, التكيف وخدمة الجميع".

       هكذا يقوم المربي الكشفي بتطبيق ذلك من خلال حياة المجموعة والمشاركة في مسيرتهم اليومية واقعياً على ضوء رسالة المسيح... لنقرأ إنجيل القديس لوقا (24 : 13-45 ) فنرى مسيرة القائد في الكشفية وأهمية دوره: المرافق والشاهد والنموذج والرسالة بالشركة والمشاركة.

يقول بادن باول: "نحن نعرف, كقادة, كم تساهم قيم الوعد والقانون الكشفي في الحياة اليومية على تطور الشخصية ونمو كل إنسان بمفرده. كما اننا ندرك الحاجة إلى ملاءمة هذا الالتزام بالكشفية لكل فرد بحسب عمره ووضعه. فالحركة لا تسعى وراء احترام نمطي للوعد والقانون كواجب خارجي. بل وبالعكس تسعى الحركة الكشفية إلى أن يعمل كل واحد جهده ليمارس الوعد والقانون في حياته, مع التركيز الشديد على كلمتي (يعمل) و (جهده), لكن كل واحد على قدر طاقته".

قال البطريرك اسطفانوس بطريرك الأقباط في القاهرة :إن الكشفية هي إيمان , خدمة , عطاء . إن لم تجد حياة روحية في الحركة الكشفية ستكون هناك حلقة مفقودة , أي إذا اهتممنا بالزي والشارات وفقدنا الروحانية أصبح النشاط جسداً بلا روح.

الحركة الكشفية إيمان :

1.    إيمان الإنسان بأخيه الإنسان , بأن له قيمه واحترام حتى لو كان فقيراً أو غنياً , صغيراً أو كبيراً.

2.     إيمان بالوطن : الله خلقنا هنا في هذا المكان لنعمل به ونحبه ونفتديه ولا نتخلى عنه.

3.     إيمان بالكنيسة :المسيح أحب الكنيسة وافتداها , فيجب أن نحبها ونحب قوانينها ونشارك في رسالتها .

4.     إيمان بالله : منبع حياتنا اليومية ... فللصلاة مكان هام في المجموعة الكشفية لكي يقوى إيمان جميع الأفراد.

د. التربية من خلال العمل: لعبة الخدمة: تتمّيز الكشفية بالعمل بالمنهاج الكشفي. إن الحركة الكشفية هي "الابتداء الفعّال". ويقول بادن باول: "نستطيع أن نتكل عليك في الخدمة، لمعرفتنا أنك مستعد في كل لحظة لتضحي بوقتك وتواجه المصاعب وتبذل حياتك من أجل الآخرين إذا دعت الحاجة".

فالحركة الكشفية هي خدمة : الكشاف دائما مستعد في أي مكان وزمان ... خدمة عن اقتناع... خدمة عن تواضع... فالخدمة رسالة .

 الحركة الكشفية عطاء : الخدمة بدون حساب , بدون انتظار شكر أو أخذ مقابل .  فالخدمة لا تكون كاملة دون عطاء , دون حساب... والعطاء التام حتى سفك الدم ... مثال ذلك السيد المسيح الذي سفك دمه عنا... فالإنسان عندما يعطي ذاته يكون في قمة العطاء الالهي ... فمع شعار السينودس الأبرشي في أبرشية القدس يكون مثال الكشاف الحقيقي: مؤمنون بالمسيح , مشاركون في الكنيسة, شاهدون في المجتمع . تمنح الكشفية الوسائل المختلفة لوضع الإيمان في اطار حياة الشاب ,وحياتهم في إيمانهم . فالإيمان هبة من الله , خطوة حرة ومحبة لا يجبر الله عليها أحداً, فقد خلق الله الإنسان حراً ويدعونا إلى جواب حر وواع وشخصي على نعمته.

        إن الخدمة حسب بادن باول هي سبب وجود الكشفية: لقد وجد الكشاف لكي يخدم. إن الخدمة هي جزء لا يتجزأ من المنهاج الكشفي. "اجعل العالم أفضل مما كان" هذه وصية بادن باول النهائية. هذه التربية على الخدمة هي (العمل الجيد) (ع.ج).

ع.ج والخدمة في الكشفية تعتبر من أهم  الأعمال اليوم. ويجوز اعتبارها "سر التجسد" الكشفي, على مثال السيد المسيح. لقد أكد بادن باول أن الخدمة في الكشفية تجعلنا نمرح ونلعب في "فريق الله" و "يُسعدنا ويجعلنا نُسعد الآخرين". هذه دعوة الكشفية اليومية إلى الخدمة.

ويطلب منا المسيح في الإنجيل أن نخدم (متى 6/ 24، 19/ 21، مرقس 10/ 45، لوقا 22، يوحنا 13/ 12-15، متى 20/ 21-26، لوقا 10/ 30- 31) وأن تكون خدمتنا مجانية تحركها إرادتنا الفردية لا المصلحة الشخصية.

من هنا لا بدّ أن تكون الخدمة:

1. مجانية: أي أن الله هو المبادر الأول, وهي تظهر كرم الله وتتكون العطية الإلهية, والجواب على هذه العطية هو الخدمة. جواب المحبة بالمحبة وليس بالعدد والحساب.

2. إظهار المحبة: الله الخالق, المهندس, والكشاف الخادم يضع آلية فنية لتنفيذ هذه الخدمة بإظهار إيمانه ومحبته.

3.العمل المفيد: بصورة واقعية وبسيطة ولكن حسب تعاليم وأسلوب الله مثل  الخميرة (متى 31:13) والكشفية هي وسيلة تربوية تعتمد على أسس بسيطة وسهلة.

هـ- عمل الله في الكشفية:

1.العبور من تأمل الطبيعة إلى المشاركة في رسالة الخالق:

        لقد خلق الله الكون على صورته ومثاله (تكوين 1: 28-29) بالمحبة (1يو) أي بالمجانية والمحبة والنعمة. لا بدّ من رؤية الطبيعة بالمختبر, يقول بادن باول, كحقل لا بدّ من إتمامه... يدعو بادن باول الشباب إلى المشاركة كعاملين فاعلين في الخلق, كما تمّ في الخلق. "الحقل... هو رسالتنا في الشباب لإظهار عمل الله وتقدمتنا له".

2.    لحظة التجسد:

     يقف الإنجيل من إعلان بذل الذات بأنه نبع الحياة لبلوغ الكمال. إنها الوسيلة المثلى لاكتشاف الله. لأنه من خلال خدمة الآخرين يكتشف الكشاف بأنه يخدم الله. وهكذا يلتصق الكشاف بالله والآخر. يصبح الكشاف بالخدمة صورة المسيح الخادم الذي يغسل أقدام تلاميذه ويعطي حياته في سبيل الإنسانية.

3.    تحول اللعبة اللاعب الرئيسي:

    تحرك اللعبة في الكشفية جميع أحاسيس ومواهب اللاعب. وهكذا, فإن خدمة الآخرين في الكشفية تبني تاريخ المجموعة وتساهم في بناء الفرد عينه. إن العمل هو الذي يصنعنا. ما نقدمه خارجياً يفيدنا ويؤثر علينا داخلياً. كما يذكرنا المجمع الفاتيكاني الثاني "الكنيسة في عالم اليوم: عندما يعمل الإنسان فإنه لا يحول الأشياء فقط وإنما يسير بذاته نحو الكمال" (35).

شعر الأب سيفان منذ زمن طويل أن الحركة الكشفية قد تكون بداية مغامرة روحية للكثير من الشباب بالحقيقة. اكتشف كثيرون دعوتهم كمسيحيين حقيقيين أو مكرسين لله, وآخرون استطاعوا بالتزامهم المسيحي أن يؤثروا فعلياً في الحياة الاجتماعية والسياسية. لا شك أن دعوات كثيرة ولدت وستولد أيضاً داخل الحركة الكشفية.

4.    الوعد الكشفي:

        إن الوعد الكشفي هو أساس التربية الكشفية, كما أنه أحد مفاتيح الكتاب المقدس. "وفي الشهر الثالث لخروج بني اسرائيل من أرض مصر جاؤوا في أحد الأيام إلى صحراء سيناء" (الخروج 19:1) وتمّ العهد أو وعد الله على الجبل مع شعبه. وأيضاً فإن مسيرة الشبل في الكشفية أول ثلاثة أشهر أو الكشاف والجوالة, فإن عليهم القيام بالوعد الكشفي... كما تمّ بعد مسيرة الشعب على الطريق أو في الخيمة. لقد أصبح الشعب جاهزاً للاقتراب من الحياة التي منحها الله لهم, لأتباعه على الطريق في الصحراء. لنرَ الرابطَ بين الوعد الكشفي والوعد في الكتاب المقدس (العهد):

     أ. الوعد هو شعاع أمام طريق الكشاف:

1)    وعد الله للشعب في سيناء (خروج 19-24).

2)    راجع (يشوع 24: 1-6، 11: 14-24)، (نحميا 8: 1-3، 9، 3-7-9و 13: 10-1-29)

من هنا لا بدّ أن نربط هذه الوعود مع المسيرة الكشفية فتصبح مغامرة حياة.

ب. الوعد هو إعادة قراءة لتاريخ المجموعة والانطلاق نحو المستقبل: كما أن التوراة تعبّر عن مسيرة الشعب اليهودي من إبراهيم إلى بلوغ أرض الميعاد, كذلك فإن الوعد الكشفي هو مسيرة الكشاف خلال حياته. وهكذا تستطيع تجديد الوعد الكشفي من خلال النصوص الكتابية (الخروج 4:19), (يشوع 24), (نحميا ).

ج. الوعد الكشفي هو احتفال: يمكن التعبير عن الكشفية من خلال الحركات والمكان والنصوص للتعبير عن المعاني الكشفية:

1)    المكان: الذي يعّبر عن تاريخ الحدث.

2)    النص:القانون, تاريخ المجموعة على مثال تاريخ الشعب المختار.

3)    مشاركة المجموعة: طليعة, فرقة, حفلة سمر, لقاء من خلال الأغاني والرموز.

4)    الرموز والحركات: فهي علامات خارجية للتعبير عن معانِ داخلية تسمو بمعنى الحدث الكشفي.

د. الوعد الكشفي هو انطلاقة إلى الأعالي "بنعمة الله" الوعد الكشفي هو بمثابة تجديد العهد مع الله ومع الآخرين. إنه انفتاح إيماني بالالتزام وهذا ما نردده بصلاة القائد.

بالكشفية الحقّة نكون رسلاً للمسيح نحبه ونرتقي في محبته أكثر فأكثر...

فالكشفية مسيرة فتح العيون على العالم واكتشاف الذات

مسيرة لاستنشاق الهواء والمطر والورد والدخول في شركة مع الحي

مسيرة للتأمل في سرّ الله وسرّ الكون, واكتشاف الآخرين

مسيرة للخروج من الذات وإدراك حضور الله

مسيرة لاكتشاف الله في الآخرين "مجد الله الإنسان الحي" (القديس رايريناوس)

5.    رسالة الكشافة:

          عندما يكون الهدف نبيلاً واضحاً, لا بدّ من نجاح يترجم العمل ويحفزه, وهذا ما قامت على أساسه الحركة الكشفية إذ كان هدفها واضحاً برسالتها, فكان النجاح حليفها والاستمرار دافعها.

          تعتبر الكشفية رسالتها منهجاً لا بدّ من تطبيقه, فهي تسعى بدايةً لتطوير الإنسان بجميع نواحيه وبكامل كيانه ووجوده بغض النظر رجلاً كان أم امرأه, فهو مشمول بعملية التطوير.

          والتطوير يختص بإنسانية الفرد وهويته الذاتية وبثقافته الخاصة. كذلك الإنسان شخصاً وجماعة فهو عضو في مجتمع هو أساسه وهو نبضه, لذا العناية تكون للجسد والروح معاً وبالحياة اليومية الخاصة, هكذا يعطي الإنسان معنى لحياته من خلال مواكبة تطورات العالم والعلم... فالكشفية مشاركة في رسالة نحو العالم الجديد.

          كما تسعى رسالة الكشافة إلى التربية بجانب التطوير فهذا التطور يصاحب التربية وخصوصاً الإنسانية منها. لأننا نريد من خلال هدفنا ورسالتنا أن ندخل إلى عمق الإنسان فهو هدفنا ومسعانا وليس الاهتمام بالمظاهر فقط.

          ومن منطلق أن كل شخص مسؤول عن تربية الإنسان, لا بدّ من المشاركة في الرسالة من خلال العمل مع المربين الأوائل وهم الأهل, فعلى عاتقهم تتبلور الشخصية وينتج خير الشخص من شره.

          فالجميع مسؤول ولا بدّ من التضامن والمشاركة في تطوير الفرد والجماعة المرتبط بها من خلال علاقاته وحياته اليومية أينما كان في عالمه الخاص والعام.

          نؤمن بأن هذا التطور وهذه التربية (رسالة), لأن ايماننا يستند على حقيقة روحية "سكن الله بين شعبه" وسار معهم رجالاً ونساءً وثبتّ خيمته ليوطد الترابط والتضامن بينهم.

          نؤمن أيضاً أن الإنسان هو الطريق الوحيد والأساسي لبناء الانسان, فهو شعب الله, وعملنا ثابت ومؤسس له لأننا نؤمن أنه بالرغم من صحراء حياتنا إلا أننا نسكن في خيمة يقودها الروح.

          فهو من قاد _روح الجماعة_ في الخيمة لتنمو وتصبح كاملة للنمو إلى مكان سكن الله للقاء به.

          رسالتنا هي بناء الإنسان للسير في صحراء حياته بقوة الروح وبنور الإيمان الذي يدعونا إلى أن نكون في عالم متغير نوراً مشعاً جعلنا رسالة عالم مشرق بالإيمان والهدف النبيل الواضح.

وعدنا الكشفي واضح:

          نحن كشافة ضمن عائلة جمعية الكشافة والمرشدات الأردنية التي ترعاها سمو الأميرة بسمة بنت طلال المعظمة ورسالتنا هي خدمة المجتمع المحلي ضمن قانون الكشفية بالالتزام بالوعد الكشفي ومبادئه وأهدافه.

          واخترنا الحركة الكشفية لأنها: إخوّة عالمية ولقاء محبة بين الأصدقاء وتربية على التضامن وبناء السلام.

          أساس رسالتنا هو الأمل: إن الكشفية هي مشروع تطور الإنسان بصورة كاملة ليصبح على صورة الله ومثاله, إنها خدمة الإنسان من خلال نقل رسالة الإنجيل بالعمل, إنها رسالة للسكن في خيمة الله والسير على طريق الحق والحياة.

 

الفصل الرابع

الرسالة الكشفية

إن النشاطات والعلاقات الروحية مع الله من مكونات الكشفية. عندما لا يعرضون, لا يعيشون, الممارسة التربوية والروحية لا يمكن أن يصيروا كشافة. لقد أكد بادن باول جيداً بأن البعد الروحي ليس مادة إضافية, وليس شيئاً خارج الكشافة, لكنه ضمن كل شيء يعيشه, إنه ليس الإصبع السادس وإنما أحد الخمسة أصابع اليد.

أ- رسالة الكشفية التربوية:

يستند المشروع التربوي في الكشافة الكاثوليكي على قانون الكشفية والإنجيل المقدس. نحن حركة كشافة كاثوليك وليس كاثوليك في الكشفية أي أن حركتنا مفتوحة للجميع.

إن رسالتنا هي خدمة البعد الروحي للشباب في حياتهم, والعمل على تعميق هذه الخدمة استناداً على تعاليم الإنجيل المقدس: الاستقبال, المشاركة, الخدمة, العلاقة مع الآخرين, محبة الله, العدل والسلام. وتعرض الطريق للشباب ضمن الإنجيل, وهكذا يغذي المسيح مسيرتهم ويكون "الطريق والحق والحياة".

رسالة الكشفية هي مسؤولية الجميع في العمل التربوي في سبيل تكوين الشخصية للفرد. كل شخص هو انسان فريد وعلينا تطوير شخصيته لأنه على صورة الله ومثاله, وله دعوته الخاصة ومواهبه وميزاته وحريته. كل شخص له أطباعه وأمزجته المتنوعة ولا بدّ من وضع ذلك في مشروعنا التربوي والروحي في سبيل تعميق الثقة والاستقلالية وبناء المسؤولية. كل شخص يكون شخصيته في عالم اليوم، والكشفية مكان ملائم لمواجهة حقيقة العالم الذي يعيش فيه بخبراته ويقوم ببناء عالم أفضل "من أجل عالم أفضل".

رسالة الكشفية هي تربية الشاب والفتاة: واقع الاختلاط والأسس التربوية لمساعدتهم على تكوين الذات عبر مراحل النمو المختلفة. بناء العهد بين الرجل والمرأة. والعلاقة بين الجنسين. والتربية على المساواة وليس على التشابه من خلال الاحترام المتبادل والتربية على الديمقراطية.

رسالة الكشفية هي التربية على العيش معاً والتكاتف مع المجتمع. وذلك من خلال التدرب على مواجهة الحياة ومتغيراتها. فالكشفية حركة مشاركة واحترام متبادل وتقبَل خصوصية كل شخص. الكشفية جماعة منفتحة على الجميع. والكشفية حياة الفريق على مثال الكنيسة الاولى. ان الطليعة هي الخلية الاساسية في المجموعة حيث يكتشف كل فرد مكانته في المجموعة والمجتمع المصغّر.

رسالة الكشفية هي العيش في العالم بطريقة مميزة: بناء عالم حقيقي، عالم أفضل وليس عالم وسائل الإعلام والتكنولوجيا المزيف إلى رؤية جديدة للإنسان والعلم "على الكشاف أن يجعل العالم أفضل مما كان" جملة ردّدها المؤسّس في مشروعه التربوي لزرع حب الإنسان للإنسانية وشمولية بناء الانسان التربوية والروحية.

ب_ رسالة الكشفية الروحية: الكشفية هي بشرى سارة للشباب. هي مدرسة جديدة تربي على الفرح. الفرح هو مقدار النجاح في نمو الانسانية بحد ذاتها ونموها مع الآخرين. الكشفية هي مكان لتفريغ الطاقات باللعب والعمل اليدوي والغناء والرقص والاحتفال والصلاة... وهكذا فهي مناسبة لتحقيق فرح حقيقي للذي يعيش هذه الخبرة.  لا نستطيع وصف أعمالنا وخياراتنا بمقدار الشعور بالسعادة عندما نعطي الشعارات الكشفية (الأوسمة) والتذكارات للأفراد في المخيمات والنشاطات, ونرى مدى سعادتهم وتقديرهم لهذه المبادرات.

          تأسّست الكشفية بالحدس في العمق. حيث يولد النشاط والعمل في اللعب وحياة المخيم والمغامرة. يُفعّل المشروع بمقدار التزامنا وعيشنا بثقة وبأمانة وبقوة الوعد الكشفي. يكتشف الشاب في حدسه وبمبادراته الخاصة والحرة طريقه إلى الله. هذه الطريق تقود إلى خبرة الكلمة والعبور نحو "الفصح" أي العبور والانتقال من الإنسان القديم إلى الإنسان الجديد. (طريق السامري، تلميذ عمواس، متى، المجدلية...).

          الكشفية مكان عيش الخبرة: يتم اللقاء اليومي في مساء كل مخيم كشفي بين الأفراد وتقام حفلات السمر والسهرات والأمسيات الرائعة. يلي ذلك لحظات هامة وهي إخماد النيران والدخول في خلوة وصمت تحت ضوء النجوم حيث يتم اللقاء مع الله وبين الأفراد لتقييم مسيرة النهار ومراجعة الإيجابيات والسلبيات, والتحضير لليوم القادم. والأهم من ذلك لحظات الصمت والصلاة والهدوء. هكذا تدخل الخبرة الانسانية والروحية لتقودنا إلى قلب الايمان ومراجعة الذات. الخبرة ليست كلمة نردّدها وانما نعيشها. ولا يكفي أن نتكلم عن الخبرة بل أن نلمسها ونتذّوقها في حياتنا. قال الأب جاك سيفان "اذا لم يكن لديكم الرغبة في معرفة الإيمان المسيحي، إنه من المنطق، إنه لن تحصلوا على تلك المعرفة. ادخلوا في واقع حياتكم وتعرّفوا على الله لكي يتعرّف عليكم ويسكن بينكم. يمنح الله النعمة ولا يفرضها عليكم. فاستقبلوا نعمه".

          الكشفية مكان عيش الأخوة: إنها المكان المناسب والملائم لعيش الأخوة في عالم يبحث عن علاقات سلام في جميع بقاع الارض "الكشاف أخ للجميع". قال الاب جاك سيفان يوماً "الزمالة تمنح الصداقة، والحياة تصنع الأصدقاء والطليعة تكوّن الأخوّة". عندما ننخرط وننظم إلى الكشفية ونلتزم بالوعد ونرتدي الزي الكشفي نصبح أخوة واخوات في الكشفية العالمية. تربي الكشفية على الاخوة الشاملة وهذا ما نلمسه في المخيمات الدولية وفي الجامبوري، انه نموذج حي وفريد لهذه الأخوّة والشراكة حيث نبني جسور المحبة وخبرة صداقة ومشاركة وغنى متبادل بين جميع الأخوّة وتتحول إلى سلوك وغنى عالمي مبني على السلام والوئام وتعميق التواصل بين الحضارات والثقافات.

          سمّى بادن باول الكشفية بـِ"مدرسة الأخوّة" وعندما وضع "العقدة" جعلها رمزاً لهذه الاخوة والترابط بين الكشافة ومن ثم أصبحت علامة الحركة الكشفية العالمية. نبني بالاخوة ونضع مكاناً للآخر في تاريخنا, ويسمح لنا ببناء علاقة مع الله الحاضر في قلب كل إنسان وكل جماعة إنسانية. نترجم هذه الأخوّة فعلياً في: المخيمات الوطنية والمحلية، الدولية والجامبوري، التبادل بين المجموعات والجمعيات، التوأمة الكشفية بين الفرق، المسيرات وحياة الجماعة والفريق، الطبخ الجماعي والعمل التطوعي والمغامرة والصداقة. نعيش الروح الكشفية ونتذوق جمالها ونكهتها ونلمس سرّ الانجيل المقدس وعظمته في حياتنا إن طبقنا هذه الروح الجماعية. وهكذا نعمل معاً لبناء عالم أفضل مما هو، مبني على الاخوة الشاملة والعمل التكاتفي والجماعي. معاً نبني المجتمع. كل واحد يضع حجراً لبناء عمل الخلق والخالق.

          الكشفية مكان تجدد مستمر: نلمس في الكشفية أنّ تنمية الأمنيات تتأرجح بين النجاح والفشل وبين النمو والضعف، بين الغنى الروحي وبين الخمول في علاقتنا مع الله والآخر والذات. إنها مسيرة الإيمان لدى كل إنسان، وبحاجة إلى تجدد مستمر ومتابعة وتطوير. لكل جيل حاجاته التربوية والروحية وتجديداته الأخلاقية، فمقياس الرؤية يختلف من جيل إلى جيل وخصوصاً آلية العمل تختلف من مرحلة إلى أخرى. ومن هنا نحن بحاجة إلى إعداد الكوادر وتأهيل القادة والمرشدين للعمل مع أجيال مختلفة وازمنة متنوعة، كما نحن بحاجة إلى إعادة البرنامج الكشفي حسب حاجة الاجيال "الآن وهنا".

          يتم التجدد المستمر من خلال الدورات والورشات ومن خلال المنشورات وإعادة طباعة الكتب الكشفية بلغة معاصرة, وبروح المؤسس, وبحدس الغنى الكشفي, وبآليات متطورة. ولا بدّ من طرح الأسئلة المعاصرة للشباب وتحدياتهم, التحولات في العمل الكنسي خصوصاً مفهوم الرعية, واقع الطائفية وتعدد الكنائس, الكشفية بين الماضي والحاضر, وأسئلة كثيرة تعبر عن التربية الروحية والأخلاقية المعاصرة. يفرح الكشاف عندما يلمس "التجدد المستمر" في الكشفية حيث يلمس أنك تتكلم بلغته وعقليته واحتياجاته ورغباته. هذا ما المح اليه بادن باول بحدسه الثاقب وبكتابه "اسأل الولد".

ج- شفيع الكشافة:

           أما شفيع الكشافة فهو القديس جورج (جاورجيوس). ولد القديس جورج في اللد, في فلسطين عام 280م. ويقال إنه أسس جماعة مسيحية في أورمي في فلسطين. مسيحي ملتزم وصادق. عارض القديس جورج الاضطهادات التي قادها الامبراطور ديوكليتيان, واستشهد في 23 نيسان عام 303 في اللد في فلسطين.

كان القديس جورج شفيعاً للفرسان في ما مضى فقد اختاره فرسان الطاولة المستديرة شفيعاً لإخوتهم.

        يصوّر القديس جورج ممتطياً حصانه ويحارب التنين. وضع جاكوب دوفوراجين في القرن السادس, كتاباً عنوانه "الاسطورة الذهبية" يحارب فيه القديس جورج تنيناً للتخلص من تقديم فتاة شابة إلى التنين كل سنة لتهدئة غضبه. ويظن المؤرخون أن ذلك البطل يرمز إلى القديس جورج.

      طوّب البابا جيلاسيوس القديس جورج عام 494م. وعلى الكشافة أن يفتخروا بشفيعهم وأن يتبعوا هذا المدافع عن المسيحية. يضع الكثير من الكشافة في 23 نيسان وردة في عروة زرّهم.

      عيد القديس جورج مناسبة لجميع الكشافة كي يلتقوا ويقوموا بنزهات ونشاطات متنوعة.

      يرمز القديس جورج إلى الكفاح المستمر ضد الشر, وعلى الكشاف أن يكافح وينتصر على عيوبه كما انتصر على التنين وأن يحاول يومياً أن يتشبه بالفرسان الشجعان الذين اتخذوا القديس جورج شفيعاً لهم.

د- الإنجيل المقدس والحياة الكشفية

1.    كيف تكون الكشفية طريقاً للقاء السيد المسيح؟

أ‌)       تقدم الكشفية للشباب خبرة حياة, خبرة بسيطة ومتواضعة لاكتشاف الذات بالرغم من قدراته وحدوده:

1) كائن حي في انسجام وتناغم مع الطبيعة.

2) كائن حي في علاقة مع المحيط.

3) كائن حي حرّ.

ب‌) كما تدعو الكشفية الشباب للنمو في اختيار الحياة لتكوين تاريخ خاص مبني على أساس المسيح بقرار حرّ وملتزم في مسيرة إيمان.

ج)  الالتزام بالوعد, عمل المشاريع, التخييم, المسير, حياة الجماعة, استقبال الضيوف, الخروج إلى الطبيعة... كلها "أوقات قوية ومثمرة" في الحياة الكشفية من أجل إدراك أعمق وأثبت إلى اللغة الرمزية للإيمان.

2.    أمثلة كشفية وترجمتها روحياً إستناداً إلى الكتاب المقدس:

أ‌)   علبة الماء في المخيمات والمسير في الليل: (قنينة الماء) يمنح الماء الحياة والقوة على المسير... (المعمودية, الولادة الروحية). هكذا عندما يحضر الكشاف مطرة الماء يدرك معنى القوة والعطش في المسير، كذلك في مسيرتنا الروحية نحن بحاجة إلى ماء الحياة.

ب‌) الخشب والسكين في المخيم: النحات والحفر لتكوين صورة الله...لاكتشاف الإيمان وإزالة الشوائب في حياتي... يعشق الكشاف ان يحمل معه الموس ليقطع به الخشب في المخيم من أعمال يدوية وتحضير الحطب واستغلال الطبيعة لتزيين الموقع الكشفي. هنا يبدأ دور المرشد الروحي بقراءة نص تأملي حول عمل النحات وكيفية استغلال الصخرة وعدم اضافة شيء من الخارج, وإنما إزالة الشوائب واكتشاف الداخل لاخلاق منحوتة "رائعة الجمال" كذلك الخليقة هي صورة عن ذلك باكتشاف الغنى الداخلي وإزالة الشوائب لتكوين صورة إيمانية للإنسان المسيحي، بهباته وغناه وعظمة العطية الالهية, واكتشاف المواهب. ولا بدّ من ازالة القناع لاكتشاف الحقيقة.

ج)  شنطة الظهر: (خفيفة أم ثقيلة؟) مسيرتنا بالإيمان, كيف هي؟ "ليكن سلام المسيح معكم"... أهم توصية للمخيمات هي عدم حمل لوازم كثيرة لأنها تثقل الحمل في المسير. ويدرك المرشد الروحي ذلك في تأملاته, فكلما خففنا من أحمال بعضنا البعض وسرنا بدون هموم وعراقيل, تكون حياتنا الروحية أفضل مما عليه. ويستطيع شرح مفهوم "الخيارات والقرارات في الحياة" أو تحمل المسؤولية والاحمال الثقيلة والخفيفة في حياتنا. كما يستطيع توضيح مفهوم "الاستشارة والنصحية" ونتائجها في الحياة.

د)      القائد والأفراد واللقاء معهم: على مثال لقاء المسيح مع الشعب ومع التلاميذ.

ه)       المسير في الطبيعة: الخبرة في الصحراء وغيرها من الخبرات الكتابية.

و)      العقد والربطات: علاقة الأخوة في الكشفية... "الكشاف أخ للجميع".

3.    أمثلة كتابية تساعد على عيش الخبرة الكشفية:

أ‌)       من العهد القديم: إبراهيم, موسى, إيليا, يوسف وإخوانه...

ب‌)  من العهد الجديد: يوحنا المعمدان, مريم, يوسف, التلاميذ, المسيح, بولس...

‌ج)    أحداث كتابية: الصحراء, المسير, العنصرة, الميلاد, الصلب, التجربة في الصحراء...

‌د)      أحداث كنسية: شخصيات من تاريخ الكنيسة...

‌ه)       الطقوس الدينية: وضع حركات ورموز كشفية في الطقوس الدينية...

  خذ من هذه الأفكار مواضيع للتأمل الصباحي أو المسائي, وضعها في برنامجك الأسبوعي, أو مخيمك السنوي.

4. نشاطات كشفية:

نموذج لاجتماع كشفي روحي: الفالنتاين في الكشفية: في عيد الفالنتاين نرى الحبيب يهدي حبيبته باقة ورود حمراء... يرسم قلباً باللون الأحمر ليقول لها كم يحبها, فترى وجنتيها وقد احمرت خجلاً... ويتأملان غروب الشمس المائل إلى الاحمرار ويتذكران اللحظات الرائعة التي عاشاها معاً بقرب بعضهما البعض... ويفرش الحبيب لحبيبته السجاد الأحمر ويستقبلها في قلبه... معاً لنكتشف في هذا اللقاء سحر اللون الأحمر...

الزاوية الروحية:

1.  كما نعلم فإن لكل زمن ليتورجي في الكنيسة لوناً خاصاً. ولكل لون رمز. تتشح الطبيعة, لدى تعاقب فصول السنة, بألوان جميلة مختلفة. وهكذا تريد الكنيسة لدى تعاقب الأزمنة الكنسيّة, أن يتّشح الكاهن بألوان مختلفة مميزة. ومن الألوان المستخدمة اللون الأحمر... لون الحب والدم... يلبسه الكاهن في قدّاس أحد الشعانين والعنصرة والجمعة العظيمة وعيد جميع الرسل والإنجيليين والقديسين الشهداء.

2.    اللون الأحمر هو رمز للروح القدس. لون ألسنة النار التي حلّت على الرسل وبعض النسوة في يوم العنصرة.

3.  اللون الأحمر هو رمز لدم الحمل الذي وضعه العبرانيون على مداخل بيوتهم لكي لا تهلك أبكارهم في مصر. وهو رمز لدم الحمل الحقيقي يسوع المسيح الذي سفك دمه من أجل فداء البشرية على خشبة الصليب. وأثناء كلام التقديس يتحول النبيذ الأحمر إلى دم المسيح (خذوا فاشربوا منها كلكم هذه هي كأس دمي, دم العهد الجديد الأبدي الذي يراق عنكم وعن الكثيرين لمغفرة الخطايا. اصنعوا هذا لذكري).

الزاوية التعليمية:

1.  ألوان الأعلام: اللون الأحمر في العلم الأردني يرمز للهاشميين. اختاره الشيوعيون تعبيراً عن شهداء الثورة البلشفية. في علم الصين نجد نصفه أزرق ونصفه الآخر أحمر وكل من اللونين يحاول أن يلتهم الآخر بحلقة مفرغة, ويعبر اللونان عن صراع قوى الخير والشر.

2.  برتوكول السجادة الحمراء: من التقاليد المتعارف عليها في عالمنا أنه عند استقبال الملوك ورؤساء الدول والشخصيات المهمة, يجب فرش السجاد الأحمر (وبالأخص عند باب الطائرة). قد تقترن هذه العادة بالحضارة اليونانية القديمة (منذ القرن السادس قبل الميلاد). فقد اعتادوا آنذاك الحصول على الصبغة الحمراء بهرس كمية كبيرة من الأصداف البحرية المستخرجة من البحر الأبيض المتوسط من نوعية (Murex Trunculus) وقد اشتهر بصنعه أهل صور وصيدا. وكانت حصيلة آلاف الأصداف المهروسة كمية قليلة من صبغة حمراء باهظة الثمن. فاقتصر ارتداء الأقمشة الحمراء على الأغنياء وذوي النفوذ, وبالتالي ارتبط اللون الأحمر بالفخامة والأهمية, وشاع استخدامه في المناسبات الهامة حتى الآن.

3.  الكوكب الأحمر: المريخ هو الكوكب الأحمر. وسبب ظهوره لنا باللون الأحمر هو غاز ثاني أكسيد الكربون الذي يملأ جوه, فيجعله يبدو لنا أحمر اللون (نفس السبب يمكن تعليله عند رؤية غروب الشمس باللون الأحمر). وتجدر الاشارة إلى ما اكتشفه العلماء مؤخراً من أن كوكب المريخ يحتوي على ماء (سواء على سطحه أو في باطنه). وقد تسنى لهم اكتشاف ذلك بتفحص الصور التي التقطتها وأرسلتها إلى الأرض إحدى سفن الفضاء الأمريكية.

الزاوية الكشفية:

          هذه اللعبة تسمى "المحقق والمشتبه بهم". يختار القائد سراً اللاعبيَن, لاعب يمثل دور الضحية, وآخر يمثل دور القاتل, على ألا يعرف الضحية من سيكون القاتل. في المساء يحضر الضحية بالوناً مملوء برُب البندورة يضعه في أعلى ظهره. وعندما يستعد القائد لتأدية اللعبة يفصل التيار الكهربائي على حين غرّه. ينطلق من يمثل دور القاتل ويفقع البالونه. وما أن يفقعها حتى يصرخ الضحية صرخة عالية ويرتمي أرضاً, ويستقر على الأرض بلا حراك, وتعمّ الفوضى. بعد إتاحة الوقت الكافي لمن يمثل دور القاتل بالعودة إلى مكانه يعاد التيار الكهربائي من جديد. ويطلب القائد من جميع الأفراد المتواجدين عدم المغادرة (يغلق الباب إن أمكن) ويأمر بإجراء تحقيق فوري بشأن ما حدث. يوّكل القائد أحد الأفراد الذي يجد بهم الكفاءة لأن يؤدي دور المحقق العدلي للكشف عن مجريات الجريمة. يبادر المحقق بدوره في التحقيق بملابسات الحادث, وعليه أن يطرح الأسئلة على المجموعة, وعلى اللاعبين جميعاً أن يجيبوا بصدق (بالطبع ما عدا من يمثل دور القاتل). ورويداً رويداً ومع التقدم في التحقيق, تنحصر الشبهات إلى أن يكشف النقاب عن القاتل. وبعد ذلك تقوم الضحية وتهنئ المحقق.

نموذج لبرنامج روحي خلال لعبة كشفية: كتب الاب جاك سيفان يوماً "على الصلاة أن تكون حية ومتكيّفة مع البيئة" وهكذا على المرشد الروحي والمربي على الإيمان أن يرى ويبدع ويكون خلاقاً في رؤية الطبيعة والبيئة المحيطة به ليحولها إلى صلاة كشفية. "فالكشفية هي روحانية الطبيعة فلسفة المخيم". حقيقة لا بدّ من عيشها, وزرع كلمة الله في الطبيعة والبيئة. الكشفية هي تربية الانطلاق على مثال إبراهيم وموسى لاكتشاف صورة الله في الخلق. الكشفية هي طريق وانطلاق ونمو والعبور من عتبة الباب, وكسر الحواجز, واكتشاف غنى الله في الرموز والإشارات. فيما يلي بعض هذه المبادرات, ونترك البقية لإبداعات المرشد الروحي والمربي على الإيمان:

1. يطلب قائد المخيم من طليعة معينة في المخيم إحضار الماء من مكان معين (جيران الخيم) حيث يبعد مسافة 2 كم على الاقل, ويحمل كل كشاف قلن ماء ثقيل (تقريباً 20 لتر) وفي اليوم التالي نبدأ تأملنا حول صخرة ونضع حوله الصليب المقدس من الخشب ونطلب من تلك الطليعة وضع الماء في اقلان الآخرين (تعبيراً عن المشاركة) ونبدأ بشرح فكرة روحية "مهما كنا مرهقين من المسير، يلتقي بنا السيد المسيح عند النبع (مثل السامرية) ويقول لنا "أعطني من الماء..." فالكشفية لقاء مع المسيح ومع الآخر. كما يمكننا دمج موضوع بيئي حول أهمية الماء في حياة الانسان وضرورة التربية على ترشيد المياه ودمجه بالموضوع الروحي "المسيح هو النبع الحي، ماء الحياة" وكذلك كيف أن الإيمان والإنجيل المقدس هما كنزان ونبعان ثمينان في حياتنا, وعلينا الارتواء من الماء الحي.

2. إحضار بعض الطعام من خضروات وفواكه وأمور أخرى, وبعد ذلك (تغميض) عيون بعض المشاركين والطلب منهم تذوق الطعام ثم وصف ذلك في خمسة أسطر دون ذكر اسم المنتج. ثم نلتقي في البرنامج الروحي ونطلب منهم قراءة الأوراق, وبعد ذلك ندمج الرسالة الكشفية بالروحية حيث ان الكشفية مكان يتيح للشباب المشاركة في خبرات حياتية, أو التكلم عن مفهوم الصلاة قبل وبعد الطعام, أو التكلم عن رسالة السيد المسيح العلنية, وكيف أنه باستخدام الرموز والأمثال نقل الرسالة المسيحية إلى الآخرين."ما أجمل تذوق المشاركة".

3. وضع سلة نفايات في وسط الجماعة مع بواقي (مخلفات) المخيم, وعمل تأمل حول ما نريد إزالته من حياتنا ومسيرتنا الروحية وتعيق نظافة قلوبنا وشرح مفهوم "الجميل والبشع" في حياتنا. المخيم مناسبة لاكتشاف أنه لا يمكن شفاء الجسد دون شفاء الروح وهو أيضاً مكان للتربية على "إشغال الحواس" أي النظر والشم والسمع والإصغاء واللمس...

ه- رسالة بادن باول الأخيرة

أيها الكشافة الأعزاء,

تذكروا أن هذه الرسالة هي الأخيرة التي تحصلون عليها منّي, تأملوا بها بدقة. لقد أمضيت حياة سعيدة, وأتمنى أن يتمكن كل واحد منكم قول ذلك.

إني أؤمن أنّ الله وضعنا في هذا العالم كي نكون فرحين, ونتمتع بالحياة وليس بالغنى أو بالنجاح أو بالاكتفاء الأناني لشهواتنا يمكننا الوصول إلى السعادة. تصلون إليها عندما تبدأون منذ الصغر بصنع أنفسكم أناساً طاهرين وأقوياء, صالحين وبإمكانهم العيش بفرح عندما يُصبحون رجالاً.

ستعلمكم دراسة الطبيعة أن الله ملأ العالم بأشياء جميلة ومذهلة من أجل سعادتنا. كونوا فرحين. بما تملكون وأحسنوا استعماله. انظروا دائماً إلى الطرف المشرق من الشيء بدل أن تروا الطرف المظلم منه.

طريق السعادة الصحيح يكمن في إسعاد الآخرين. حاولوا تحسين ما وجدتم على هذه الأرض قبل أن تتركوها, وعندما تحين ساعة موتكم, تموتون فرحين وتدركون أنكم لم تضيعوا الوقت وأنكم فعلتم ما في وسعكم.

"كونوا مستعدين" للسير على هذه الدرب فتستطيعوا العيش والموت بفرح. تذكروا وعدكم الكشفي دائماً, حتى لا تعودوا أطفالاً والله يساعدكم على العمل بها.

صديقكم

BP

الفصل الخامس

  هوية  المرشد الروحي في الكشفية

رسالة الكاهن هي امتداد لرسالة المسيح الثلاثية في العالم: الكهنوتية: وهي تقديس الشعب. النبوية: أي نقل البشرى السارة وإعلان ملكوت الله في التاريخ. الملوكية: وهي قيادة الناس إلى الملكوت الإلهي. لذلك فالكاهن هو المقدس والنبي والملك, وهو الذي ينقل الأسرار المقدسة إلى الناس, ويعلن لهم الملكوت, ويقود الشعب بالخدمة والذبيحة والموعظة.

يقول بادن باول: "الكشاف وسيلة رائعة لإعلان ملكوت الله". هذه هي هوية الكاهن والمسيحي, الإنسان المسيحي هو ابن الله وابن الوطن, بالكشاف نكون أبناء الله وذلك بالشهادة بالمسيح والانتماء للكنيسة, ونكون أبناء الوطن من خلال الانتماء والشهادة. فالإنسان المسيحي صاحب رسالة في العالم لنقلها بشرى إلى الأرض, وصاحب رسالة في الوطن من خلال الخدمة والعطاء.

الكشاف المسيحي رسالة رعوية للكنيسة من خلال العلمانيين, "تكونون بها رسلاً للمسيح لدى الناس". تنبع روحانية الكشاف من روحانية الكنيسة ثم تمارس بطريقة متجددة وعملية وجذابة. ومن هنا تأتي أهمية رسالة ومشاركة الكهنة المكرسين في الكنيسة. الكشاف هو رسالة للكهنة المكرسين, الذين هم رعاة للجماعة, ودور الكاهن أن يعمل مع الشباب في الحقل الرعوي.

يُسمى الكاهن المشارك في العمل الكشفي "المرشد الروحي" أي عليه أن يكون مرافقاً لقائد المجموعة والأفراد في مسيرتهم الروحية ، ومتابعاً للمشروع التربوي في إعطاء الأهمية الكبرى لحياة المجموعة, ويكون حاضراً معهم. ومن هنا عليه أن يعرف الإجابة على تساؤلات الأفراد, ويسير معهم لاكتشاف الجواب... يسير معهم ولا يفرض تعاليمه. ويتم ذلك من خلال تفعيل النشاطات الروحية من خلال: الطبيعة, روح الفريق, الوعد والقانون. إذ عليه أن يساند قائد المجموعة في وضع البرامج (الصلاة, التأمل, القداس, والمبادرات الروحية الكشفية)، ويزرع فيها البعد الروحي. ويقيم مع القائد مسيرة المجموعة ويوجهها إلى الطريق الحقيقي حسب المنهاج الكشفي والالتزام الكنسي. وهو حلقة الوصل بين المجموعة والجماعة الكنسية, فالمجموعة الكشفية جزء من رسالة الكنيسة الرعوية ومن هنا يأتي دوره في تعميق التواصل والترابط. ويتم ذلك فعلياً من خلال المشاركة الفعلية في المخيمات ويعيش مع الأفراد تحت الخيمة, ويكون حاضراً في جميع النشاطات, ولا سيما وقت تأدية الوعد الكشفي. فيكون منفتحاً على جميع الأفراد ويساعدهم في نموهم الشخصي واليومي. أي عليه زرع الاخوَة في المجموعة. إنه يُعبِّر عن حضور الله في جماعته من خلال شهادة حياته, وحضوره الفعال والمثمر. وتأتي الصعوبة الكبرى في الكشاف بكيف يبني القناعة عند الكهنة بهذه الرسالة؟

وبناء هذه القناعة مرهون بالنقاط التالية:

1)  أن يكون المرشد الروحي مقتنعاً بجدوى العمل مع الشباب: ومن هنا فنحن نطالب, وعلينا أن نبدأ بالعمل على تقديس هذا النضوج, بالسمو مع الشاب في العمل, وبالثقة بجدوى العمل والثقة هي القناعة بأنه يمكن أن نسير معاً لبناء ملكوت الله, وتوسيع الآفاق, للانفتاح على الآخرين. لا يريد الشاب اليوم أوامر وملاحظات وإرشادات فحسب, وإنما هم بحاجة أولاً إلى محبة وثقة وشهادة حية تسير بهم إلى النضوج والثقة والقناعة في الحياة. فالعمل مع الشباب بثقة ومحبة لنقل رسالة الإيمان هو مغامرة, والكشاف مغامر. وهنا يدعو هذا العمل إلى التحول والارتداد إليه واكتشاف دور ومكانة الشاب في الحياة. دور المرشد أن يحارب العقلية الذاتية والفردية الأنانية والمثالية ويدعو إلى العمل مع الآخرين, وإلى الانفتاح معهم على الله وعلى الآخرين.

2)  أن يكون المرشد واثقاً بالشباب: الثقة ليست علماً ومذهباً, وإنما هي واقع وحياة, متجسدة في الواقع, في حياة الشاب قدرات هائلة تحتاج إلى من يمكنها من النمو والنضوج والإثمار... والعمل بثقة الشاب بحاجة إلى فضيلة الصبر الكثير للسمو به إلى الملكوت. لكن نعمة الله تمكن الكاهن من السير مع الشباب بحسب أعمارهم وتطلعاتهم.

3)  أن يكون المرشد قريباً من الشباب: على المرشد أن يفهم الشباب وأن يعيش معهم وأن يحبهم, وأن يكون قريباً منهم, وأن يشاركهم في التعب والهموم, وأن تكون لديه معهم رؤية جديدة للأمور. فهكذا يرون أن المرشد الروحي يتلمس حاجاتهم ويتفهم صعوباتهم, وأنه لهم الأخ والصديق, يعيش معهم ويشاركهم في أفراحهم وأحزانهم ويحترمهم في حياتهم وآرائهم ويسير معهم على دروب الحياة.

4)  ان يكون المرشد مرافقا للشاب. أي أن يساعده العبور من النشاط إلى تسبيح الله، من حياة العرين الكشفي (أي مقر المجموعة) إلى الشركة والأخوة، والانتقال من الخدمة في المجموعة إلى عطية المحبة ومن النمو الشخصي حسب الوعد والقانون إلى بناء الجماعة.

5)  ان يكون المرشد مصلياً: لقد عاش السيد المسيح سر التجسد قبل نقله للآخرين. وعاش الرسل الإنجيل المقدس قبل كتابته ونقله للآخرين، هكذا على المرشد الروحي ان يدرك أنّ عليه أن يكون مصلياً قبل تعليم الآخرين الصلاة. أطلب وتضرَّع إلى الله، العلي القدير، أن يبارك رسالتك، أن يبارك كل شخص أنت موكل إلى خدمته, وهو تحت حمايتك وثقتك. فالمرشد هو شاهد للمسيح والإنجيل.

          هذه هي رسالة المرشد الروحي في الكشاف ولكنها ليست مجرد واجب, وإنما دعوة تلبيها وحياة تعيشها، وإنجيل تبثه بين الناس ويحملهم على عيشه في الصحيح من خلال الحركة الكشفية المباركة. فانك ترى فيهم صورة المسيح الذي يسير مع الجماعة ويتجسد فيهم رغم الضعف البشري. ما أروعه من تبادل عجيب! وهكذا تتحول كشافتنا من نشاط علماني إلى رسالة روحية رائعة للحب والحياة.

          المرشد الروحي "هو البواب" الذي يساعد على الدخول من المكان السليم. ليس المهم أن تعطي كلمة الله في الحياة الكشفية وإنما أن "تولد الكلمة" في حياة الشاب. الكشفية ليست بُعداً اضافياً هو "البُعد الروحي" في الكشفية وانما هو البُعد الذي يعبر منه الجميع.

          "الشباب هم عماد المستقبل, وأمل الحياة... " المرشد الروحي هو الذي يعمل على أن يتفتح الشباب على حقيقة أنفسهم, وأن يكتشفوا إمكانياتهم. لذا ينبغي على الكاهن أن يكون لهم في كل شيء هادياً وأخاً وصديقاً وأن يكون للقائد كحبل نجاة كما هو القائد حبل نجاة للكشاف. كذلك يمكنه أن يكون نقطة ارتكاز لأفراد المجموعة, يوجه عملهم ونشاطهم سواء في مجال العبادة والصلاة أم في مجال الخدمة... إنه رمز روحانية أفراد الكشاف, وحلقة اتصال بينه وبين العالم وعلامة وحدة بينهم وبين الكنيسة الجامعة, إنه كاهنهم... لذلك فرسالة المرشد الروحي هي مساعدة الكشاف على رؤية المسيح في حياتهم الكشفية. فالكشاف عندنا يجب أن يكون كشافاً مسيحياً, و تنسم عندهم رائحة للإنجيل, بانتمائهم إلى المسيح بالحب والتسبيح, وانتمائهم إلى الوطن بالخدمة والعطاء. وهكذا يعمل روح الله في قلب كل إنسان, وما علينا إلا اكتشافه وزرعه في العالم, والتأمل في عظمة الله في الطبيعة والناس, وخصوصاً في الفقراء والمساكين والمنبوذين. كتب القديس فرنسيس الأسيزي "إنه لعار علينا، نحن خدام الرب، أن نرى القديسين يعملون، بينما نكتفي نحن بان نروي أعمالهم ونعظ بها، فنجني من ذلك شرفاً لنا ومجداً".

          يقول الدستور الكشفي: "... المرشد الروحي هو المسؤول عن التنمية الروحية للمجموعة ولأعضائها..." إلا أن التنمية الروحية في الحركة الكشفية ليست مهمة المرشد كأحد أعضائه... لأن المرشد يعمل كعضو في هذا الفريق...؟ وأخيراً, كما يقول الأب جاك سيفان: "عليك أيها الكشاف, وأيها الشباب المسيحيون أن تكونوا للمسيح رسلاً وشهوداً, وأن تسموا على من حولكم بفرحكم ومحبتكم... فكونوا فرحاً للجميع. كونوا "هللويا" حية بين الناس... تعلموا حب المسيح بحب الآخرين...".

 

الفصل السادس

صفات وشخصية ودورالمرشد في المخيم

تلعب المخيمات الصيفية دوراً فعالاً في تربية الأطفال والنهوض بهم إلى مستوى أفضل، لاهتمامها بالجوانب الدينية والبدنية والنفسية والعقلية والاجتماعية للنشء، ونظراً لذلك فقد ازداد انتشارها في الآونة الأخيرة، حيث بدأ المهتمون بالعمل مع الأطفال على الصعيدين الرسمي والأهلي بإقامة مخيمات صيفية عديدة للأطفال العاديين والمعاقين والأطفال الأيتام واللاجئين ومتضرري الحرب ومرضى السكري وغيرهم، حيث تُقدم لهم في العادة برامج متنوعة تسهم في إنماء خصائصهم الشخصية وإكسابهم عادات سليمة واتجاهات مرغوب فيها.

يعرض هذا الملف للدارس أساسيات العمل مع الأطفال في المخيمات الصيفية، ولعل من شأنه أن يضيف جهداً متواضعاً إلى جهود المهتمين بالعمل مع الأطفال، والتي تعكس اهتماماتنا وتطلعاتنا جميعاً لخدمة ورعاية اطفال اليوم وقادة الغد.

نأمل أن يشكل هذا الملف دليلاً ومرشداً لكل المهتمين بالعمل مع الأطفال، ولجميع القادة الشباب، والكنائس والجمعيات والأندية والمدارس، لمساعدتهم على تكوين فكرة حول الأطفال ونشاطاتهم التي تتسم بالشمولية، لتساعدهم على فهم متغيرات العمل مع الأطفال واستيعابها، وليكن أداؤهم مخططاً وذا مردود تربوي نافع ومفيد لأبنائنا الأطفال.

كلمة إلى مرشدي الأطفال:

إن اختيارك كمرشد في المخيم الصيفي للأطفال هو أمر هام في حد ذاته، له مدلولات ومعانٍ عديدة، إضافة إلى كونك شاباً مسيحياً وتمتلك خصائص مميزة ومهارات متنوعة.

فأنت كمرشد ستعيش مع الأطفال وتعمل معهم كفريق، أنت القائد والأخ الكبير، إن عملك مع مجموعات الأطفال لا حدود له، تأكل وتلعب معهم، وتضحك أحياناً وأحياناً تبكي معهم، لذلك فأنت بالتأكيد من أهم أعضاء جهاز المخيم وأكثرهم التصاقاً بهم وقدرة في التأثير عليهم، وعليه فالفرصة متاحه أمامك لبناء علاقات مميزة معهم والعمل على إحداث التغيرات المرغوب بها في تعديل سلوكهم. هذا يعني بالتأكيد أنك ستساعدهم في النمو والتعبير عن آرائهم ومشاعرهم بطلاقة وحرية، وتساعد على إشاعة جو تسوده المحبّه وروح الفريق عندهم وأن تعلِّمهم ضبط النفس وإصدار أحكام عقلية متزنة.

إن مرشد الأطفال لا ينتظر المديح والتعزيز من الآخرين، إنه يعزز ويحترم نفسه بنفسه، ويحسِّن من أدائه في البرامج والمخيمات، وينمو باستمرار، يعلِّم ويتعلم، يصل إلى المخيم أولاً قبل حضور الأطفال ويغادر بعد مغادرتهم، بعد أن يكون قد عاش مع أطفال مجموعته بإثارة ومتعه ساعات طويلة. إنه عملٌ شاق جداً، ولكنه سيحقق لك الرضى الذاتي ويُكسبك احترام الأطفال وجهاز المخيم.

شخصية المرشد (المسؤول):

المسؤولية هي موهبة من الله إنها موهبة القيادة، إن لم تُصقل وتهذب وتتربى وتتثقف تتحول إلى نزعة، نزعة التسلط والكبرياء الموجودين داخل الإنسان.

مميزات شخصية المسؤول تتحدد بعدة نقاط منها:

1.  المسؤول هو رجل الله، هو تلميذ المسيح، يتشبه به في كل شئ في العمل والعدل. مرتبط بالمسيح من خلال الصلاة والتأمل وقراءة الإنجيل وعيش الأسرار وبمحبة القريب، وعليه أن يكون مطواعاً بين يدي الروح القدس، مرتبطاً بالروح القدس باتصال دائم يمكنه من اختبار الحياة مع المسيح, ويعيش بعمق هذه الحياة, وإلاّ أصبح كالفريسيين "خارج جميل وباطن نتن".

2.    المسؤول متواضع:

يعلم بأنه يخطئ، ويعلم بأنه محدود المقدرة ولا يملك الحقيقة المطلقة. لذا همه أن يغتني، ويغتني بقدر ما يكون له علاقات مع الآخرين، وأيضاً بقدر ما هو غير مدعٍ بمعرفته وغير متكبر بعلاقاته. يغتني بقدر ما يعلم أن الله يأتي للقائه وإغنائه في أصغر الأمور كما في أكبرها، وفي أصغر وأودع الخلائق كما في أكبرها.

3.    المسؤول منفتح:

أي أنه إنسان ناضج غير متقلب وغير منغلق على ذاته، يحسن الحوار والاستشاره, لا يخجل من أن يستشير. لديه القدرة على التعاون والتعامل مع الآخر، يتذوق لذة اللقاء مع إخوته، يقبل بملاحظات الآخرين وانتقاداتهم البناءة. لا يعَلِّم كل شئ بمفرده حتى ولو كان له القدرة على ذلك بل يشرك الآخرين بعمله.

4.    المسؤول متجرد:

لا يقيده في عمله أي لقب أو ارتباط عائلي أو مهني أو مقام اجتماعي. لا غاية له ولا مصلحة خاصة، إنما يعد نفسه كالخادم ليربح الجميع للمسيح. لا يسعى إلى المكاسب الخسيسة، ولا إلى اثبات شخصيته أو قدرته أو بسط نفوذه وإشباع رغباته. إنما همه هو خير من يعمل معهم متشبهاً بيوحنا المعمدان (عليَّ أن أصغر وعليه أن ينمو).

5.    المسؤول حازم:

يحسن اتخاذ القرار في الوقت والمكان المناسبين، غير متردد يتحمل مسؤولية مواقفه سلباً أو ايجاباً. في حزمه يختار ما هو مناسب للجماعة ويتمسك به. دبلوماسي يعرف كيف يجعل الآخرين يتكلمون ومتى يجب أن يسكتوا مع ابتسامة دائمة، صوته واضح صحيح (ويسيطر على الجو).

6.    المسؤول محب لعمله:

لا يقوم بعمله مكرَهاً أو مجبراً أو ملزَماً بل برضى وحرية شخصية وبقناعة.

7.  المسؤول يحترم الكل ويحبهم, ولا يشمئز من ذاته ولا يستهتر بحياته الخاصه, أو يكره الدنيا والحياة، بل عليه أن يحب ويحترم عطية الله المجانية له. يحب الضعيف والقوي، الجميل والقبيح، البسيط والذكي، يتقرب من الخاطئ والصالح، الناجح والكسول، يهتم بالكل ويوزع محبته واهتمامه وعنايته على الجميع دون تمييز أو تفريق. يعطي لكل فردٍ ويعطي لكلٍ حاجته ووقته، يُشعر من هو أمامه أنه حاضر معه، ومهتم به وموجود معه. أسلوبه في النقد وإبداء الملاحظات دائماً بنّاء.

8.  المسؤول يعرف الكل ويميز معطيات ومواهب كل فرد، يوزع المسؤوليات على الأشخاص كلٌ حسب طاقاته وامكانياته. يعرف كيف يجعل الكل يعمل بروحٍ واحده ولهدفٍ واحد ولمكسبٍ واحد.

  1.      المسؤول هو مرجع لجماعته، صديقٌ للجميع. يشعرون بغيابه ووجوده. يحفظ أسرار جماعته, ويعطي الملاحظات لهذه الجماعة بعد اضطلاعه وعلمه بغوامض الأمور وأبعادها.

10.  المسؤول صادق أمام الله ومع ذاته ومع الآخرين. لا يكذب ولا يعد دون أن يفي. يعيش ما يُعَلِّم ويهيئ جيداً ما يعلمه، لا يحب التساهل مع ذاته ولا يخشى الصعوبة. لا يضع اللوم على الآخرين أمام الفشل وأيضاً لا يقف بائساً منكسراً أمام الفشل.

11.  المسؤول خلاّق مبدع يتمتع بروح ديناميكية خلاّقة أي روح ابتكار وخلق حيوي، متجدد دائماً, غير ممل ولا تقليدي ,غير متكل، وواقعي.

12.  المسؤول عينٌ ساهرة، يحسن الاستقبال والترحيب، ويهتم بأسباب التغيب. يراقب ويميز قدرة الكل، وكيفية تفاعلهم، يشجع الفرِح ويعزي ويقوي الحزين، يحضن الخجول ويعطي ذاته للضال، يحافظ على قطيعه حفاظه على نفسه ويوليه كل اهتمام وعناية.

13.  المسؤول مخطط، يعرف متى يبدأ ومتى ينهي، يعرف أن يقود الجماعة, يحسن التنظيم والادارة, ولديه رؤية مستقبلية، وهو حاضر بفكره وعقله وجسده.

14.  المسؤول طويل الروح والأناة، هادئ لا يتأثر بسرعة ولا ينفعل بعنف خارجي, غير سريع بالإجابة، ولكنّه غير متجاهل، حاضر لتلقي الضربات والإهانات, ومستعد للمسامحة والمغفرة، قلبه كبير قادر على استيعاب الجميع.

15.     المسؤول فرحه دائم مبتسم دائماً، عابس قليلاً عند الضرورة. فرحه داخلي نابع من عيشه العطاء، يفرح بما يعطي وبما يأخذ.

16.     المسؤول ملتزم يحترم الوقت والوعد والقرار والمبادئ، لا يتغيب إلا عند الضرورة.

17.     المسؤول قدوة ومثال، لا يتكلم بعكس ما يعيش, ولا يعيش بعكس ما يُعلِّم, لأن ما يعلمه بسيرة حياته بفوق الكثير مما يعلمه بلسانه.

علاقة المسؤولين بعضهم ببعض:

وهو الموضوع الأكثر أهمية والأكثر حساسية والأكثر انعكاساً على الذين نعمل معهم، لا بل على كل من ينظر إلينا، وعلينا أن نتذكر كلمة الإنجيل:" انظروا كم يحب هؤلاء بعضهم بعضاً" (لو 10/1-2). هذا ما جعل كثيرين يهتدون إلى المسيح، لأن هذا هو جوهر الحياة المشتركة.

نسمع المسيح يقول بلسان القديس لوقا:" بعد ذلك أقام الرب اثنين وسبعين آخرين وأرسلهم اثنين اثنين يتقدمونه إلى كل مدينةٍ أو موضع أزمع هو أن يذهب اليه". لماذا اثنين اثنين؟!!!!!! لئلا يعثر أحدهم ويتكبر. لأني لا أعمل وحدي بل ملزم بآخر يراني ويسمعني ويقاسمني المسؤولية. لذا فأنا مجبر بالتحضير الجيد، هذا من الناحية السلبية. أما من الناحية الايجابية فأنا مطمئن بأن لدي سنداً روحياً وإنسانياً، صديقاً اتكل عليه واتكئ عليه عند تعبي وضعفي، كي لا أقول أيضاً أنا فعلت أنا صنعت أنا قلت بل دائماً نحن. أضف إلى ذلك أنه في الشركة وحدها نحقق صورتنا ومثالنا مع الله الذي هو ثالوث. من هنا ننطلق في علاقاتنا بعضنا مع بعض كمسؤولين مدعوين ومرسلين من قبل المسيح بقوة الروح القدس لنشر كلمته ومحبته بين أخوته. نؤلف عائلة واحدة نلتقي معاً للصلاة، للفرح الروحي، للتنظيم لكل ما هو مستقبلي وللعمل البنّاء في حينه كما ونلتقي لمتابعة تنشئتنا كمسؤولين، وللتداول في المشاكل التي تعترضنا وللمشاركة في الفرح الذي يعزينا، ونلتقي مع الآخرين لتبادل الخبرات. وإن كان لي ما أقوله لأخي غير التنشئة, أختلي به جانباً وليس أمام أنظار الآخرين، أدخل معه بابتسامه وأخرج بالفرحة والابتسامة كي لا أحرجه أمام الآخرين، وأتذكر ألا أعمل منفرداً بل كمسؤولين نعمل معاً. فلا يدَّعي أحدٌ أنه هو الذي صنع بل ينسب لغيره فضل عمله, وهكذا لا يتمجد أحد بل الله وحده. نضيف إلى ذلك غنى المشاركة لأنه لدينا دائماً خبرات، طرق عديدة للنظر إلى مجرى الأمور.

واجبات المرشد نحو الفتيان:

1.    مسؤولية متميزة:

إن عملك كمرشد في المخيم يعود عليك بسعادة متناهية. مركز ذو أهمية كبيرة لما له من تأثير على الأطفال الصغار. إن مسؤولية المرشد نحو الأطفال حساسة ومتنوعة، محورها متابعة الأطفال من كافة الجوانب حتى يحصلوا على نمو جسمي وروحي سليم خلال فترة المخيم. فالمرشد عليه الاهتمام بطعام الأطفال وبصلواتهم ونشاطاتهم وراحتهم.

2.    فقدان فتى من المجموعة:

إن عملك كمرشد يجعلك مسؤولاً بشكل مباشر عن مجموعة الأطفال. افرض عليهم رقابة صارمة طوال الوقت بوجودك الدائم معهم، إنهم في النهاية سوف يقدرون لك حرصك هذا. حقاً لا يوجد شئ مخيف ومرعب لك أكثر من فقدان أو تعرض أحد الأطفال لمكروه ناتج عن إهمال مسؤول المجموعة، لأنها تشكل في النهاية عملية مربكة وطارئة، وأي مرشد له خبرة يستطيع إبلاغك بتفاصيل هذه الخبرة المؤلمة.

3.    الصحة:

عدد من الفتيان يحضرون إلى المخيم لأول مرة، ومن المحتمل أن يكون لهم نظام خاص في البيت، مثل عادات الصحة والغسيل، ومن المهم بناء روتين في المخيم للعناية بصحة الأطفال مشابه لروتين البيت.

4.    إحراز التقدم:

تعتبر فترة المخيم فرصة ممتازة لتدريب الأطفال على أمور عديدة، وكل واحد من الأطفال يسعى ويحب أن يحرز تقدماً ما، سواء أكان مهارة أو قدرة، مثل التعامل مع الآخرين. وإذا غادر الفتى بعد انتهاء فترة المخيم ولديه شعور بعدم إحراز أي تقدم فإن ذلك دليل على فشل مرشده في تحمل المسؤولية.

5.الترويح:

المخيمات للترويح، وأنت كمرشد عليك مسؤولية خلق جو ووقت ممتع للأطفال. بعض المرشدين يبدأون في ذلك بداية حسنة ولكنهم بعد فترة يشعرون بالتعب، مما يؤدي إلى عدم انتباه بعمق للترويح ومتابعة الفتيان.

خصص لكل شئ وقته. إن الحصول على راحة كافية تسهل عليك العمل والمتابعة.

نحو إدارة المخيم:

الجميع في جهاز المخيم يعمل من أجل الأطفال، عليك كمرشد الابتعاد عن ظاهرة الشللية، لأن مثل هذه التجمعات فيها متعة للكبار لا للصغار، وتكون على حساب الأطفال. كما ويجب أن تكون جاهزاً لمعرفة وتقبل فلسفة المخيم وتقاليده وحماية الأنظمة والقوانين ومؤازرتها. وعليك تمرير ملاحظاتك واقتراحاتك إلى إدارة المخيم التي لديها الخبرة الكافية لتنفيذ أفكارك الجديدة.

مسؤولية المرشد نحو نفسه:

  1.  الالتزام :

أن يتم اختيارك كواحد من المرشدين من قبل إدارة المخيم أمر يشير إلى امتلاكك خصائص مميزة إن كنت تعرفها، وقدرة كافية للقيام بهذا العمل الشاق الذي لا يثمن بأجر، ولكنه يحقق لك إشباعات خاصة، حيث ستشعر في نهاية المخيم بالرضى والطمأنينة بعملك كما يجب.

2. الاستراحة :

عليك كمرشد استغلال وقت الفراغ (الاستراحة) كما يجب ، أدخل الترويح إلى نفسك واستخدم وقت فراغك بحكمة.

3. صحته :

تمتد واجبات المرشد واهتماماته نحو نفسه إلى الاهتمام الشديد بصحته وسلامته، تماماً كاهتمامه بصحة أطفال مجموعته، وعلى المرشد أن يأخذ قسطاً من الراحة اليومية وأن يراجع العيادة الطبية كلما شعر بتوعك. فسلامة المرشد وصحته تنعكس إيجابياً على أدائه وحيويته في المخيم.

 

أهمية الاتصال الجيد:

الاتصال الجيد يساعد الطفل على تطوير الثقة، الشعور بالقيمة الذاتية، وعلاقات جيدة مع الآخرين. وتجعل الحياة معهم أمتع في الوقت الحاضر وتساعدهم أن ينموا ليصبحوا بالغين ويتمتعوا بشعور حسن تجاه أنفسهم والآخرين.

 

الفصل السابع

الكشفية بشرى سارة

أ- شذرات روحية كشفية

    إليكم هذا التأمل المأخوذ من " تأملات كشفية " للأب سيفان:

1.    يا بني , أنت كشاف . هل تعلم ما معنى كشاف ؟ إنه الرائد إنما هو قائد .

2.     هل تعلم قصة الأعمى الذي أراد أن يقود أعمى آخر ؟ لقد سقط الاثنان معاً في الحفرة وهلكا.

3.    يا رب إن أردت أن تقودني لن يكون مصيري بالمثل.

4.  لقد أصبت في استغاثتي : أنا الرائد الأول , أنا الكشاف الأول. لم أكن رائداً فحسب , بل أنا الطريق , لم أكن كشافاً فقط , بل أنا النور .

5.  من يتبعني لا يمشي في الظلام . اتبعني , وسيضيء مصباحك على إخوتك الكشاف . اتبعني, وسأجعل منك كشافاً, أعني قائد جماهير, على مثال أولاد الجليل , باسم يعقوب ويوحنا وبطرس واندراوس وفيلبس , والآخرين الذين ألّفوا مجموعتي الأولى .

6.  الكشفية مكان لبناء الكنيسة , أساسها الوحدة وتبدأ بالوحدة مع القائد ومن ثم بين الأفراد. فالكشفية تحارب عقلية الذاتية والفردية وتدعو إلى العمل الجماعي والتعاون مع الآخرين..." وصيتي الأخيرة: يا أبنائي , لا يمكن إنجاز أي عمل في العالم دون التفاني في سبيل الله والقريب " ( نشيد أسطورة النار للأب سيفان ) .

ب. من "تأملات كشفية" للأب سيفان:

أشبه كل كشاف يأتي إلي ويتبعني ويعد بأن يخدمني ويحفظ وصاياي, أشبهه بالرائد المحنك الذي ينصب خيمته في مأمن من الهواء وبالقرب من جدول ماء. حينما تسقط الأمطار وتسيل الأودية وتقصف الرياح وترتج أنسجة الخيمة, تظل خيمته صامدة قائمة, لأنها نصبت في أرض طيبة ومتينة.

فمن أراد أن ينتمي إلى الحركة ويلعب دور الكشاف ولا يلتزم بخدمتي ولا يحفظ شريعتي, لأشبهنه بالمبتدئ العديم الخبرة, الذي ينصب خيمته في أسفل الوادي وفي الرمل, فينزل المطر وتسيل الأودية وتغمر الأراضي وتقصف الرياح فتقلع الأوتاد وتمزق الأنسجة فتسقط الخيمة في الماء والطين.

"هذا هو مصير كل حركة كشفية لم تؤسس علي, أنا الصخرة والأساس لكل شيء". يقول الرب.

ج. تأملات كشفية ( الأخ جورج سبع):

  "ها هو ابن الإنسان يعود في مجده

 تواكبه جميع ملائكته, يجلس على عرش مجده

          وتحشر لديه جميع الأمم..."

متّى 25/31-46

          في نص متى 25 هذا, نجد أنفسنا أمام مشهد ضخم جداً.

         لن يعود ابن الإنسان كما جاء في المرة الأولى وكما تحدثت عنه أناجيل الطفولة: طفلاً بين أطفال العالم, طفلاً هشاً, مهاجراً من لحظة ولادته, مهدداً بالقتل, حاملاً لأهله أكثر من أعباء الأبوة والأمومة, مسؤوليةً ومخاوف...

         ابن الإنسان لن يظهر للعالم هذه المرة, كما ظهر في مجيئه الأول, نجاراً ابن نجار, قروياً ابن قروي, ضعيفاً مستضعفاً, رافضاً بأي شكل من الأشكال أي نوع من القوة والعظمة والفخامة...

         ما يورده لنا متّى هو وصف لحدث ضخم كأنه إعلان تلفزيوني ضخم يهيئ النفوس والعقول لحدث خارق, طال انتظاره وسيكون لحدوثه وقع كبير ونتائج نهائية.

        متّى محق في مقدمته هذه, لا لأنه يعطينا وصفاً دقيقاً بل لأنه يعلن أهم شيء في الإنجيل...

         علامَ سنحاسب عشية حياتنا؟

         يعدد لنا يسوع مجموعة أعمال هي ناتجة عن مجموعة أوضاع أو حاجات: كالجوع, العطش, الغربة, العري, المرض والسجن...

        وهي من صلب حياتنا اليومية...

         لا يتحدث يسوع عن أوضاع أو حاجات خارقة, لا يتحدث يسوع عن واجبات غير قابلة للتحقيق.

         لا يحاسب يسوع على المستحيل بل يطرح الممكن, يطرح البسيط, يطرح العادي.

         يسوع يرى بعيون الإنسان, بعيون الواقع, بعيون الحدث اليومي...

      لن يقول يسوع لنا: لم تركعوا ولم تسجدوا, لم..., لم... بل سيسألنا عن موقفنا وجوابنا على الإنسان المحتاج...

        لا تهمه الفرضيات والنظريات والمؤتمرات التي سنشارك بها حول الأمور الاقتصادية أو الاجتماعية ولا حتى الدينية...

        ما يطلبه يسوع هو ماذا فعلت بالجائع والعطشان والغريب والعريان والمريض والسجين الذين يحيطون بحياتنا اليومية؟

         هؤلاء الصغار الذين يرافقون حياتنا اليومية لدرجة أن عيوننا قد تأقلمت عليهم وأننا حفظنا الجواب: "ليس بمقدوري أن أفعل شيئاً" إن لم يكن جوابنا حكماً عليهم: "كسالى, يستحقون أكثر من ذلك, وسخين, مهملين, غير منضبطين...".

          يلتزم يسوع بأن يكون هو هذا الجائع والعطشان والمريض والغريب والسجين والعريان... ويحاسبنا على نظرتنا؟

          يسألنا هل استطعتم أن تنظروا إلى واقعكم وترون فيه وجودي؟

هل استطعتم أن تنظروا إلى البشر, اخوتكم, وكأنهم أنا؟

هل استطعتم أن تروا في أحداث حياتكم, شخصاً هو أنا؟... ونندهش, كما يندهش الناس في نص متّى...

      ما يحمله لنا يسوع هو تغيير جذري, استحق تلك المقدمة الضخمة...

يسوع هو أخي المحتاج, أياً كانت حاجته

يسوع هو أختي المحتاجه, أياً كانت حاجتها

       ليس يسوع مصلحاً اجتماعياً بل هو ابن الله, وابن الإنسان هو معلن بشرى مهمة: "إن الله تجسد وحلّ بيننا فأصبح كل جسدي صورة عنه...".

      أصبح الالتزام بالله, التزاماً بالإنسان...

     وأصبح الالتزام بالإنسان التزاماً بالله...

      لا يعرض انجيل متّى علينا مشاكل الفقر والجهل والجوع والعطش... لا يطرح أسئلة لماذا هذه المشاكل, ما جذورها؟

        لا يحلل الانجيل ويناقش... كل ما يدعو اليه هو إلقاء نظرة واتخاذ قرار والمبادرة إلى العمل...

       يرفض الانجيل أن نحاسب المحتاج...

       يرفض الانجيل أن نرى المحتاج ونتركه في وضعه...

       يرفض الانجيل أن نقول هذا ليس شأني...

       ما يقوله الإنجيل هو أي نوع من النظرات تلقى:

            هل عيونك هي عيون داخلية تذهب أبعد مما تراه إلى من ترى؟

            هل عيونك تنقل لك دوماً صورة ابن الإنسان, أم أنك ثبّتّ عليها عدسات لا تسمح باختراقها إلا لبعض المشاهد...

            هل يتحرك قلبك؟

            هل يتحرك قرارك الداخلي؟

            هل تسعى؟ هل تبادر؟ أم ستبقى راضخاً...

                أو متجاهلاً...

                أو غير مكترث...

        كشفيتك علمتك العمل الصالح اليومي, إذا أردت بناء هذه الكشفية لا تكتف بعمل كأنه واجب, بل اجعل من حياتك فعل تضامن, لأنك لا تستطيع أن تعيش كشفيتك دون أن ترى في من يحيط بك صورة ابن الإنسان...

د. البناء في الكشفية (تأمل في بداية المخيم) للأخ جورج سبع:

  أن أبني هي  قصة

               تاريخ

              مشروع

 أن أبني يعني أن أقرر

     هل سأبني برج بابل

         أم قصراً ملكياً

         أم بيتاً...

هل سأبني مستقبلي

           أم شخصيتي

           أم علاقاتي

 في الكتاب المقدس

            لا تحدث الأشياء فجأة

            لا يكتشف الإنسان من هو الله

           ولا يكشف الله عن ذاته

           إلا في عملية بناء لعلاقة ما...

من آدم إلى المسيح

 من إبراهيم إلى كل مؤمن

 من الأمس إلى اليوم

 ومن اليوم إلى الغد

 يبني الكتاب المقدس علاقة الله بالإنسان

                      وعلاقة الإنسان بالله.

 في الكشفية نعرف ان البناء

              هو من صلب الروح الكشفية

 فالمخيم يبني في كل شيء

         تنصب الخيم

        ترتفع الرايات

        وتعلو الأصوات.

 في المخيم يصل الأفراد كلٌ من موقع مختلف

                       كل واحد يختلف عن الثاني

                         وربما يجهله

        وتبنى العلاقة

       كما يحبك النسّاج قطعة القماش

       وكما يرفع البناء من حجارة مبعثرة

       صرحاً خالداً...

 فهم الإنسان منذ اللحظة الأولى أهمية البناء

       بنى جسوراً تقرب المسافات

                   وتتغلب على الصعوبات

                   وتجمع البشر...

 ولكنه بنى حيطاناً (جدراناً)

        أصبحت عوائق

        فصلت بين الناس

        وأبعدت البشر.

أن تبني يعني أن تقبل بأن الحجارة ليست كلها متساوية.

أن تبني يعني أن الأفكار ليست كلها موحدة.

أن تبني يعني أن الأشخاص ليسوا كلهم متماثلين.

 الاختلاف ضروري في عملية البناء

          حجر الزاوية يختلف عن اللبنة الصغيرة

          التي تسند الحجر الكبير

          حجر الزاوية يختلف عن أحجار الداخل

          المرمر يختلف عن الحجر الخشن

          والاسمنت المسلح يختلف عن التربة الناعمة...

وكل ذلك يلزم للبناء

         وإذا نقصت إحدى المواد لا يكتمل البناء

         ولا يرتفع...

هكذا في بناء المخيم

إن لم يضع كل مشارك قدراته ومواهبه وحتى ذاته

        لا يبنى المخيم...

وإن لم يتح لكل مشارك أن يقول كلمته

                             ويعبّر عن داخله

        لا يبنى المخيم...

 المخيم الذي سنعيشه

          هو شركة ومشاركة

          لم نبنه مسبقاً كي تقيموا فيه كسواح

          في فنادق لم ننكر حق بنائه

          إنما نحن اليوم مدعوون لبناء مخيمنا وخيمتنا...

          كأرض سكن

          وكمساحة لقاء...

وسنبنيه غداً وكل يوم

علاقتنا بذواتنا

        وببعضنا

       وبالطبيعة

       وبالله...

 المخيم الذي سنبنيه هو نموذج لكشفيتنا التي نبنيها

       في أرضنا...

إن بنينا مخيمنا على صخرة صلبة كما هي صخور

      هذه الجبال.

 إن شددنا أوتاد خيمنا ووسعنا موضع خبائنا.

 سنكتشف أنّ تعبنا وجهدنا لن يذهب سدىً وعبثاً

       فإن الرب هو الذي يبني

       كما يقول المزمور

              "إن لم يبنِ الرب بيتاً عبثاً يتعب البناؤون...".

ه. الكشفية كما أؤمن بها:

أنت وأنا

ننتمي إلى هذه العائلة الكبرى

أنت وأنا

أتينا من بلاد مختلفة

    ومن تاريخ مختلف

    ولكن ما يجمعنا هو الكشفية

الكشفية التي أؤمن بها

هي طبيعة خلابة أندهش بها وأحافظ عليها لأنها هدية الخالق لنا

هي جماعة معها أغامر وأواجه التحديات وأبني الأيام

هي إيمان مشترك ينير الخطوات ويحفظ القلوب

الكشفية التي أؤمن بها

قد تكون تقنيات حبال ولعب ولقاءات

ولكنها ليست مظهراً

       ولا استعراضاً

ولا رتب

    ولا سلطات...

الكشفية التي أؤمن بها

هي مجانية في العطاء

     بحث عن الحقيقة في الداخل

قوة دفع جماعية

الكشفية التي أؤمن بها

ليست سلوكاً فردياً منتظماً

           يحاسب ويحسب

يعطي ليأخذ

يربح ويتباهى

الكشفية التي أؤمن بها

هي انتباه للآخر, كل الآخر وكل آخر

هي جرأة حيث لا يرغب الآخرون الاقتراب

هي اكتشاف لسبيل حياة مختلفٍ عن التيار

الكشفية التي أؤمن بها

هي نظرة مختلفة عن نظرات الأنانية والحسد والطمع

هي كلمات غير كلمات التأفف والتذمر واللامبالاة

هي سلوك قائم على وعد وقانون

الكشفية التي أؤمن بها

هي اختيار شخصي

    انطلاقة ذاتية

التزام عميق

الكشفية التي أؤمن بها

هي شهادة أنه حتى ولو كانت الدروب معتمة

فإن القائم بين الأموات هو حيّ

وهو ينير ويرافق دربنا اليومي

 

تأملات روحية

نسلك في وضح النهار...

 

         تمّ عقد المؤتمر الإرشادي الكاثوليكي العالمي عام  2007 في بولندا استجابة للدعوة الأخوية الموجهة من بولندا. ولم يحدث هذا الترشيح عن طريق الحظ أو الصدفة...

        تاريخياً, نجد الكثير من الأوقات العصيبة والمؤلمة, ونرى الأوقات المدمرة التي آلمت ببولندا كأنها دولة باطلة وغير شرعية ومذلة, وتحتاج إلى عملية إعادة الإعمار... وهذا يحدث عن رغبة وإصرار بولندا بقوة وشجاعة وأمل.

         واليوم, نرى بعد سقوط النازية وانهيار الشيوعية, فقد وجدت بولندا نفسها معبراً بين الشرق والغرب, ومكاناً للّقاء بين أوروبا الشرقية والغربية. وهكذا حققت بولندا ذاتها بعد خمس سنوات من السيطرة النازية والدول الشيوعية الأخرى فنراها اليوم حرة.

          وبالرغم من ذلك فقد بقيت الجراح من أثر الماضي وعبّرت عن ذلك بالإبادة الجماعية في سجن اوزفتش Auschwitz, والابادات الجماعية من الشيوعيين. كما نذكر أن النازية قتلت الكثيرين من الجماعات اليهودية في وارسو Warsaw.

         ما الذي دعا الشعب البولندي لمقاومة الإبادة؟ ما الذي دعا بولندا بعدم التنازل والخضوع رغم الذل؟ هل كان الإيمان هو السند الحقيقي لهم؟

        ها نحن ذاهبون إلى بولندا لنكتشف آثار هذه القوة والجرأة الرائعة. نسير نحو هذا النبع كحجاج, ونتجه إليهم بقوة هذه الذكريات...فبعد دمار القرن العشرين, وبعد العديد من الجرائم المقترفة, والحروب التي حملت الكثير من الدموع والموت, وبعد الأحقاد الكثيرة والعميقة إثر هذه الأحداث المحزنة, نرى أنه قد حان الوقت للمبادرة في عهد المصالحة... عندما نقول مصالحة نقصد مصالحة حقيقية, التي لا تعني السعادة لنسيان الأحداث ولا تعني أيضاً بدء صفحة نظيفة, وإنما حياة جديدة... إنها لا تعني فتح صفحة جديدة وتثبيت أمورٍ جديدة وإنما ولادة حياة جديدة...

         نحن لا نريد أن "نبدأ من جديد" لأننا قد فشلنا بمحاولاتنا, نحن نريد "أن نبدأ"... معاً سنمنح الحياة ليوم جديد. معاً سنعطي العالم صباحاً جديداً... عندما "قام الرب" لم يصلح, لم يكن مسروراً لوضع علامات أمام عقبات الخوف, إن الله لا يرتجل وإنما أعطى الميلاد:

1.    أعطى الميلاد لعلاقات جديدة.

2.    أعطى الميلاد لنظرات جديدة وعلامات حديثة.

3.    أعطى الميلاد للأمل.

4.    أعطى الميلاد لطريق جديدة لعيش الإيمان.

5.    أعطى الميلاد لحب جديد.

6.    أعطى الميلاد لرأفة وحنان جديدين.

         لقد حوّل أعداء الأمس إلى أخوة وأخوات. ومنح الانجيل ذوقاً جديداً حيث اخمّر الخبز وأعطى طعماً لذيذاً.

         لقد حان الوقت لجميع المرشدات في جميع أنحاء العالم إلى الانخراط في هذا الجو لكي نحقق حكم أشعيا النبي.

        " فيقضي بين الأمم ويحكم بين الشعوب الكثيرة, فيطبعون سيوفهم محاريث ورماحهم مناجل, ولا ترفع أمة على على أمة سيفاً, ولا يتدربون على الحرب فيما بعد".

         يا بيت يعقوب, هيا لنسلك في نور الرب" (أشعيا 2: 5,1)

        لقد آن الآوان للعمل بطريقة حقيقية من قِبَل جميع المرشدات في أنحاء العالم لتحقيق حلم أشعيا وجعله حقيقة.

ب . رسالة تسالونيكي الكشفية  (موجهة من مكتب ICCS العالمي)

إن العالم المعاصر هو إثارة وتحدٍ للشباب الذين يبحثون عن معنى للحياة الجوهرية في عالم تسوده التعقيدات المختلفة . يطرح الشباب اليوم الكثير من الأسئلة الجوهرية حول الحب والسعادة والقبول والهوية والحرب والسلام . إنهم يسعون إلى تحقيق هدف شامل للحياة للتعبير عن رغبتهم في بناء علاقات متنوعة وبخاصة مع المجتمع ، تحوي هذه الرحلة الناضجة على رغبة فطرية لاكتشاف المواهب والقدرات المختلفة الكامنة في داخلهم .

من هنا ، تكمن الصعوبة في تنظيم العناصر الأساسية في التربية فتؤدي إلى الاضطراب والإبهام ولا تسير نحو النضوج فتكون حالة من عدم الراحة لتحقيق الطمأنينة والسلام .  ويقول القديس اوغسطينوس :" لن يستريح قلبنا إلاّ فيك يا الله " وهكذا فان البحث عن معاني الحياة هو بحد ذاته البحث عن الله ، ويظهر الإنجيل المقدس المعنى الحقيقي للحياة ، هكذا نحقق إيماننا المنبثق من إيمان الكنيسة ، سر المسيح ، أخينا البكر الذي يوجهنا بإلهامات الروح القدس . وقد وجه قداسة البابا يوحنا بولس الثاني رسالة إلى الشباب بهذا الخصوص بقوله : " عندما تبحثون عن أجوبة لمعنى الحياة انظروا وتوجهوا إلى المسيح".

تاثير المجمتع المعاصر:

1.    ينمو الشباب اليوم تربوياً في جميع مجالات الحياة . ومع تطورات المجتمع تقنياً وعلمياً صارت المعلومة سهلة القراءة وبين أيدي الشباب ويتمثلها وينقلها بكل سلاسة ومهارة . فتطورت معرفة الشباب وإدراكه وحركت فيه المسؤولية خصوصا في مجال "الوعي البيئي" وزرعت العولمة في روح الشاب حب المعرفة وتوسعة الآفاق والتوعية من جهل الحضارات ، فأصبح العالم " قرية صغيرة " وانخرط الشاب في هذا المجمتع المعاصر وشارك في المشاريع الاجتماعية وبناء السلام وحقوق الإنسان . ومع حدود الشباب وامكانياتهم فإنهم يقومون بذلك لفترات قصيرة ومحددة لتعميق مشاركتهم الشخصية .

2.  لكنّ العالم المعاصر متاثر في العقلية الاستهلاكية، هذه العقلية العلمانية والفردية هذا النمط يهدد الاسرة ، ويثير الأسئلة أمام الإيمان والنضوج الروحي, وتحارب الحقوق الفردية والتضامن الإنساني, وتنمي الحياة المادية, وهكذا فإن الطريق العابرة أصبحت أعمق من المعلومات العميقة, فيتأثر بذلك التفكير البشري السليم, فنرى في العالم تجاهلاً للإنسان وحقوقه وتهميشاً للفرد ونموه  وصراعات ومشاكل إنسانية كثيرة مثل الفقر والبطالة والعنف والحرب والإرهاب ... إنها صراعات تحتاج إلى تفكير عميق لمن يبحث عن معنى وهدف للحياة .

المؤتمر الكشفي الكاثوليكي العالمي :

1.   نؤمن بأننا في هذا الجسم العالمي الكبير من الكشاف الكاثوليكي والهيئات واللجان الرعوية والجمعيات الخيرية نستطيع أن نقدم التنشئة والتربية للشاب الذي يعيش في عالم متغير ويواجه تحديات متعددة في العالم المعاصر.  إن الكشفية كما يقول مؤسهها اللورد بادن باول، تقود الشباب إلى أن يكونوا مهندسين في الحياة وذلك لتطوير ذواتهم ولنمو مجتمعهم ، لذلك تستخدم الكشفية الأدوات المختلفة في نمو القيم الإنجيلية من خلال التربية الفردية, ومساعدة المجتمع على هذا التطور الذي يؤدي إلى مساعدة الشباب في نضوجه الروحي والإنساني, فترتبط بذلك التطويبات الإنجيلية والوعد والقانون الكشفيين .

2.  " الطريق " هي الكلمة الأولى التي وصفت المسيحيين الأوائل والكشفية هي فعلاً "الطريق " الجديدة أمام الشاب لاكتشاف الحياة . إن الكنيسة هي جماعة نمو وجماعة حج نحو طريق الحياة, إنها رحلة حياة.  وهكذا فإن الكنيسة تدعو الشباب إلى السير عبر هذه الطريق, والرحلة بفاعلية ومشاركة لقيادة الشباب نحو الحياة الحقة .إن الشباب بحاجة إلى العيش في مجتمع حيوي وفعال وبخاصة في الأسرة . إنهم بحاجة إلى تعميق الخبرة الحياتية التي تنمي الأوجه الهامة في المجتمع .

3.  تأتي عملية بناء الاحترام الشخصي من تحقيق الأمن والثقة في معرفة حضور الله في حياتنا وفي العالم . يحقق المنهج الكشفي هذه الغايات في استخدام لمناهجه وأساليبه ويستطيع تنمية الشاب في فهم وإدراك الحقوق في الإرث الديني إن الثقة المتبادلة هي إحدى ركائز الميراث التي تقود للحوار مع المسيح والتي مصدرها قوة صلاة المسيح " كما أنت ايها الآب فيّ وأنا فيك "(يوحنا 21:17 ).

4.  إن الحوار ضروري بين الديانات والحضارات المختلفة،  الكشفية تؤهل المشاركة الفعالة لجميع الأجناس والألوان والعروق والديانات المختلفة, فيساعد ذلك على بناء الاحترام والوحدة والتقدير المشترك في سبيل بناء السلام والعدل والمسامحة لثمرة رائعة للاختلاف والتنوع, وإن المنهج الكشفي يعمل على بناء نمو رائع ومتنوع في الكشفية.  

5.  ترتبط الكنيسة والكشفية في رباط متين لتنمية الشاب نحو التحول لبناء عالم إنساني.  يستطيع الشاب بكونه عضوا في العائلة الإنسانية أن يدعم المجتمع في المجالات المختلفة وأهمها: ( حقوق الإنسان ، حقوق الطفل والمحتاج)  ونحن بدورنا نشجع الشباب لإيجاد الحلول اللازمة والإبداعية للمشاكل المعاصرة ومعالجة الإهمال والظلم وبخاصة في الحرب والجوع والجهل. رسالتنا إلى العالم أجمع إثارة الاهتمام في بناء عالم أكثر مسؤولية لايجاد مصادر حكيمة, وهنا تكمن الرسالة الكشفية ومدى مشاركتها في هذا المضمار .

6.  ويساهم مكتب الكشفية الكاثوليكي في هذا البناء وهذا التطور الروحي في الكشفية لبناء عالم  متحد ومتنوع ، ورسالة المكتب العالمي الكشفية الكاثوليكية هي بناء الشركة والمشاركة في الكنيسة وتعميق الاتصال بين الكنيسة والحركة الكشفية في العالم أجمع.

الفصل الثامن

تلميذا عماوّس

تأمل في روحانية الطريق

 

أشكركم على دعوتي لافتتاح مؤتمركم الكشفي الدولي، ويسعدني أن أقدم هذه المساهمة المتواضعة في أعماله. إن هذا التأمل كما أردتموه - هو عبارة عن مقدمة للقاءاتكم ونشاطاتكم في هذه الأيام. أمّا الموضوع الذي اخترتموه لهذا المؤتمر، فهو مثير حقاً وشهيّ: لنسر ونتكلم لنسر معاً. بعبارة أخرى، انه موضوع الطريق الذي يتلاءم تماما وروحانية الحركة الكشفية، بما أن السير هو إحدى النشاطات الأساسية التي يقوم بها الكشافة بمختلف فئاتهم. إن السير هو، بالطبع، نشاط بدني، ولكنه يمكن أن يتحول إلى حالة روحية وإنسانية خصبة تقرّبنا من الله ومن أنفسنا والآخرين والطبيعة. أما النص الإنجيلي الذي أردتم اعتماده، أي إنجيل تلميذَي عماوّس (لوقا 24: 13-35)، فهو غني بالمعاني التي يمكن أن تخصب مداولاتكم، بما انه يتحدث عن مسيرة ملموسة، عن طريق حقيقي بين أورشليم وعماوس، ذهابا وإيابا. بالنسبة لتلميذي عماوس ويذكر الإنجيل اسم أحدهم، وهو كليوباس - كانت هذه المسيرة فرصة لعيش خبرة فريدة ورائعة، وهي اللقاء بيسوع المسيح القائم من بين الأموات، مع كل الحيثيات التي يجري فيها هذا اللقاء والتي يمكن أن تفتح لنا أبوابا واسعة وآفاقا رحبة للتفكير حول الموضوع الذي يجمعنا اليوم، وهو موضوع الطريق والسير. وعليه، أدعوكم إلى التأمل في هذا النص الإنجيلي من زاوية الطريق، فنحاول من خلاله أن نكتشف معا روحانية الطريق. وتشتمل هذه القراءة على بعدين أساسيين، هما البعد الروحي والإيماني بمعانيه المتشعبة والبعد الأنتروبولوجي بدلالاته الإنسانية المتنوعة.

 

نظرة إجمالية على النص الإنجيلي

         إن رواية تلميذي عماوس هي أكثر من رواية لإحدى ظهورات الرب بعد قيامته من بين الأموات. فالقديس لوقا أراد أيضا، من خلال هذه الرواية الغنية بأبعادها ومعانيها، أن يختم إنجيله ويلخّص محتوياته، حيث أنه، في هذه الخاتمة، يسترجع مجمل مسار إنجيله في محاوره الأساسية.

        فهو الإنجيل الذي يبدأ في أورشليم (زكريا في الهيكل: لو 1: 5-25)، وينتهي أيضا في أورشليم، حيث كانت الجماعة المؤمنة الأولى ملتئمة لتعلن خبر قيامة السيد المسيح (لو 24: 33) ولتشهد صعوده إلى السماء (لو 24: 50-53). وبين هذين القطبين، يلخص لوقا، في هذه الرواية بالذات، جميع العناصر الأساسية التي تتكوّن منها حبكة إنجيله: فهو يذكر في هذه الحادثة موت السيد المسيح وقيامته (الآية 26)، وبذلك يلخص كل مسيرة يسوع نحو أورشليم، التي تبدأ في الفصل التاسع من إنجيله وتنتهي في الفصل التاسع عشر (الآية 27)، والتي نجد فيها تنبؤات يسوع الثلاث بموته وقيامته، وهي المسيرة التي يذكّر بها تلميذي عماوس ("أما كان يجب على المسيح أن يعاني تلك الآلام فيدخل في مجده؟": الآية 26). أما اسم "يسوع الناصري" (الآية 19)، فإنه يلخّص كل ما ذكره إنجيل لوقا عن طفولة السيد المسيح في بيت لحم والناصرة في الفصل الأول والثاني من إنجيله.   وبالقول إنه "كان مقتدرا على العمل والقول عند الله والشعب كله" (آية 19)، فإنه يلخّص رسالته في الجليل (لو 4: 14- 9:5). وبذكره "عظماء كهنتنا ورؤسائنا" (آية 20)، فإنه يشير بوضوح إلى آلامه (لو فصل 22-23). وأخيرا، عندما يجلس يسوع إلى المائدة مع تلميذي عماوس، فانه بذلك يلخّص العشاء الأخير الذي جمع يسوع مع تلاميذه قبل موته (لو 22: 1-38). وهذا ما حمل البعض إلى القول إنه لو فُقِد الإنجيل بأكمله وبقيت هذه الرواية لكان لدينا ملخص للإنجيل برمته.

        بعد هذه النظرة الإجمالية، نستطيع الآن أن نقرأ النص من زاوية موضوع الطريق، الذي يستوقفنا اليوم في هذا اللقاء، وهي القراءة التي يمكن أن توفّر لنا رؤية متكاملة حول روحانية الطريق بكل أبعادها ومعانيها. فالنص يجمع بين عنصرين أساسيين هما الطريق والمحادثة. فالمحادثة تملأ فراغ الطريق والطريق يغذّي المحادثة، وكلاهما يتشابكان ليشكلا معا مسارا روحيا وإنسانيا مثيرا وكثيفا وحافلا بالدلالات والإيحاءات. إن الطريق صامت، ولكن المحادثة تجعله مكانا ناطقا وحيّا.

         يمكن توزيع النص على ثلاث مراحل رئيسة: في المرحلة الأولى - وبعد مقدمة تضع الأحداث في الزمان والمكان (الآية 13-15) - يتحدث التلميذان، اللذان يرويان باقتضاب حياة يسوع (الآية 19-21)، ومن ثم يواصلان الحديث بنقل ما قالته النسوة أولا (الآية 22-23) ومن ثمّ الرجال (الآية 24). أما في المرحلة الثانية، فيتحدث الغريب، أي يسوع (الآية 25)، ليكشف النقاب عن معنى هذه الأحداث، فيؤكد أن يسوع هو المسيح المنتظر الذي كان يجب أن يتألم ويقوم من بين الأموات (الآية 26) مستندا على قول موسى والأنبياء (الآية 27). وأخيرا، تتكلّل هذه المسيرة، في المرحلة الثالثة، بالتعرّف على يسوع (الآية 30-33) وما يتبعه من عودة إلى أورشليم للشهادة لما "حدث في الطريق" (الآية 35).

          في هذا الإطار العام، تتوالى الأحداث على شكل دراما تبدأ على الطريق وتستمر في البيت وتنتهي في أورشليم. أما قلب هذه الدراما فهو يسوع بالذات، بحضوره وغيابه أولا، ومن ثم بغيابه وحضوره في آخر المطاف.

  الطريق في الكتاب المقدس

          نشأ الكتاب المقدس في بيئة ساميّة من البدو الرُحّل، حيث يلعب الطريق دورا أساسيا. وفي الحقيقة، نجد في الكتاب المقدس عددا كبيرا من الطرق أو المسيرات التي يوحي الله فيها نفسه لشعبه وحيث يتعرّف الشعب تدريجيا على الله.

ولا يسعنا هنا إلا أن نذكر دعوة الله لإبراهيم إلى السير ("انطلق..." تك 12: 1-5)، وأيضا مسيرة الخروج، وهي من الخبرات الأساسية في العهد القديم، حيث أصبح الشعب تدريجيا شعبا أولا ومن ثم شعب الله، من خلال مغامرات متنوعة دمغت شعب العهد القديم، من غير أن ننسى إيليا، الذي سار نحو جبل الله حوريب إثر المشاكل التي واجهها مع آحاب وزوجته (1 ملوك فصل 19)، وغيرها من المسيرات الكثيرة في الكتاب المقدس (مسيرة المنفى، مسالك الحج وغيرها...). ولهذا السبب أصبح الطريق ذات رمزية دينية عالية ومعبّرة. فالإيمان يُشِبَّه بالطريق التي يسير عليها الإنسان نحو الله ومع الله، كما يعني أن نسير في طرق الرب (راجع مز 128، 1: "طوبى لجميع الذين يتقون الرب وفي سبله يسيرون").

أما يسوع، من جهته، فقد أمضى معظم رسالته على طرق فلسطين حيث كان يبشّر بملكوت الله ويشفي المرضى ويدعو الجميع إلى الارتداد والحياة الجديدة. يكفينا هنا ذكر السفرات المتعددة التي قام بها يسوع إلى أورشليم. والقديس مرقس يلخّص واحدة منها في فصل واحد من إنجيله (الفصل العاشر)، فيروي لنا الخبرات المتنوعة التي عاشها يسوع وعاشها معه تلاميذه والناس الذين رافقوه في هذه المسيرة أو الذين التقى بهم في الطريق. وهنا أيضا، أصبحت الطريق رمزا معبرا كثيراً ما يلجأ إليه يسوع. فهو يعرّف نفسه على أنه "الطريق" (يو 14: 6). وهو يدعو تلاميذه إلى مصاحبته وإتباعه، أي أن يسيروا وراءه، أن يسيروا على الطريق معه، وهو الطريق الذي يصفه يسوع بالضيق الذي يؤدي إلى الحياة (راجع: متى 7: 13-14).

في هذا الإطار تأتي رواية تلميذي عماوس على طريق أورشليم-عماوس، الذي تشكل البعد المكاني لهذه الدراما. والنص يحدّد المسافة بستين غلوة (12 كلم تقريبا، وفي بعض الروايات 160 غلوة التي تساوي 30 كلم، مما يجعلنا نحدد موقع عماوس في قرية عمواس الحالية، وهي قرية فلسطينية تقع غربي القدس ويبلغ عدد سكانها 3000 نسمة، وقد دمرها الإسرائيليون تماما في حرب 1967 وشتتوا أهلها). ومرقس، كعادته في ذكر الحوادث الإنجيلية بطريقة مقتضبة - وفي نفس الوقت معبرة - فإنه يذكر هذا الطريق، بذهابه وإيابه، حيث يقول: "وتراءى بعد ذلك بهيئة أخرى لاثنين منهم كانا في الطريق، ذاهبين إلى الريف، فرجعا وأخبرا الآخرين..." (مر 16: 12-13). ويبدأ الطريق "من أورشليم" (الآية 13) وينتهي عند مشارف عماوس ("ولما قربوا من القرية": الآية 28) ويصبّ في البيت ("فدخل ليمكث معهما: الآية29). فالطريق هو مسرح الأحداث (قبل البيت) بكل ما في الطريق من رمزية: فالطريق يسير بنا، وبينما نتقدم على هذا الطريق، يحصل النمو الروحي والإنساني التدريجي وما يصحبه من خبرات روحية وإنسانية مختلفة. فالإيمان مسار تدريجي وخبرة روحية وإنسانية على طرق حياتنا. وعليه، تصبح طريق عماوس نموذجا لكل مسار روحي وإنساني.

في هذا الإطار العام، ماذا يحدث على الطريق، على هذا الطريق؟

الطريق مكان للمغامرة

إن الطريق مكان للمغامرة، مع ما تنطوي عليه من عناصر المجهول والمفاجأة غير المتوقعة. لم يَدُرْ في خُلد تلميذي عماوس، ولا بأي شكل، ما سيحدث على هذا الطريق المؤدي بهما إلى قريتهما. أو بالأحرى، تصوّرا أن هذا الطريق سيؤدي بهما حتما إلى غاية مرسومة بوضوح. وما لم يتوقعاه هو أنهما سيُفاجآن على هذا الطريق المرسوم بوضوح بشيء ما لم يكن في الحسبان والذي سيقلب حياتهما رأسا على عقب ليعطيها منحى جديدا. إن طرق الله ليست طرقنا (راجع أشعيا 55: 8).

تشكّل المغامرة عنصرا هاما من عناصر الحياة البشرية. فكلّ مرحلة من مراحل العمر هي، بحد ذاتها، مغامرة، لا بل إن الحياة كلها عبارة عن مغامرة كبيرة. ولقد جُذِبَ البشر دائما إلى المغامرة بغية اكتشاف ما هو جديد على كرتهم الأرضية. إن سلوك طريق المغامرة، بما فيها من إبداع وهمّة وعزم ومخاطرة، هو شكل من أشكال الحياة، الذي يفتن البشر ويوقظ طاقاتهم ويدفعهم إلى ما هو جديد وغير متوقع. كم من الاكتشافات جاءت نتيجةً لهذه الرغبة العارمة في المغامرة التي يمتاز بها الكائن البشري!

الطريق مكان للمغامرة. ولكن هذه المغامرة تستدعي الكثير من الانتباه واليقظة لتمييز الجديد الذي يأتي لملاقاتنا ومن ثمّ لسبر مكوّناته ومعانيه. في حالة تلميذي عماوس، لم تتوفّر هذه اليقظة، لأنهما كانا "قليلي الفهم وبطيئي القلب عن الإيمان" (آية 25). إن عمى الذهن والقلب يحولان دون التقاط الإشارات التي ترافق مغامرة الطريق. ولهذا السبب، لم يعرف تلميذا عماوّس يسوع، الذي لحق بهما، إلا في وقت متأخر، عند كسر الخبز. عندها "انفتحت أعينهما وعرفاه" (آية 31)، مما جعلهما يلومان نفسيهما متأخرين: "أما كان قلبنا متقدا في صدرنا، حين كان يحدثنا في الطريق ويشرح لنا الكتب؟" (آية 32). بالإضافة إلى اليقظة وروح التمييز، يحتاج المرء أيضا إلى الكثير من الثقة، الثقة بالذات والثقة بالله الذي يرافقنا في مغامراتنا البشرية. وهذه الثقة أيضا لم تتوفّر لديهما، بالرغم من أن يسوع سبق وحذرهما من أنه "كان يجب على المسيح أن يعاني تلك الآلام فيدخل في مجده" (آية 26). أما المثل الأكبر لهذه الثقة في الكتاب المقدس فهو إبراهيم الذي قَبِل المغامرة معتمدا على كلمة الله ووعوده، في الوقت الذي لم تكن المؤشرات الخارجية تدعو إلى مثل هذه الثقة. إن اكتشاف جديد الله والبشر على طرق حياتنا يتطلب الكثير من الانتباه واليقظة والتمييز والثقة.

في الحركة الكشفية، تبقى المغامرة كلمة أساسية. والكشافة لا يكتفون بقراءة روايات المغامرات، بل يعيشونها هم بأنفسهم كطريقة لتحقيق الذات وسبيلا للنمو الإنساني والروحي.

الطريق مكان للقاء

إن الطريق هي مكان للقاء، مع ما ينطوي عليه من عنصر المفاجأة وأيضا من فرح اللقاء. بعد لقاء نعيشه بكثافة وصدق وعمق، لا يمكن أن نبقى كما كنا عليه. فاللقاء هبة ونعمة وبركة، لا يمكن إلا أن نكون ممنونين لها إذا عشناها في الوضوح والشفافية.

في حالة تلميذي عماوس، هذا اللقاء هو اللقاء بالسيد المسيح القائم من بين الأموات. ويسوع هو الذي يأخذ المبادرة ويأتي للقائهما. فهو يلحق بهما، ويقترب منهما ويتبادل معهما أطراف الحديث انطلاقا من واقعهما، أي أحزانهما وخيباتهما ويأسهما: "نحن الذين كنا نأمل..." (آية 21). لقد خابت كل آمالهما بعد أن رأيا يسوع يموت على الصليب، فاعتقدا آنذاك أن المغامرة مع يسوع قد انتهت، مما رماهما في حالة من الإحباط والفزع والاضطراب. وبما أنهما لم يعودا يرجوان شيئا من وفي أورشليم، فلم يبق لهما سوى العودة من حيث أتيا، إلى قريتهما، يجرّان معهما أذيال الخيبة واليأس. إنهما يتركان المدينة المقدسة، وهي مكان مغامرة الله مع البشر في يسوع المسيح، ويعودان إلى الريف، كما يقول إنجيل مرقس. والريف هنا هو رمز التقوقع والمكان الذي نذهب إليه لندفن فيه خيباتنا وأوهامنا. وفي وسط كل ذلك، يلحق بهما يسوع ليقوم فيهما بعد أن قام من القبر، ويضرم فيهما من جديد تلك الشعلة الداخلية التي انطفأت. وهذا هو اللقاء الذي أعطى اتجاها جديدا لحياتهما. ولهذا نراهما، بعد خبرة اللقاء بالمسيح الحي، يتركان الريف من جديد ليعودا إلى أورشليم. أدركا عندها أن المغامرة مع يسوع لم تنته بما أنه لا يزال حيا، لا بل يمكن القول إنها تبدأ الآن. لم يكن اللقاء سهلا. فهو أشبة بلعبة شد الحبل بين يسوع وتلميذي عماوس، ولم يصل إلى خاتمته السعيدة إلا تدريجيا وبعد طول عناء. "إنه حي" (الآية 23) : هذا هو الاكتشاف الكبير واللامتوقع الذي حصل على طريق عماوس. وبعد أن كان هذا التأكيد رواية ينقلانها على لسان آخرين، أصبح خبرة شخصية أتاحها اللقاء مع السيد المسيح القائم من بين الأموات.

ولكن اللقاء على الطريق هو أيضا لقاءٌ بأخوتنا وأخواتنا البشر. في حالة تلميذي عماوس، جرى هذا اللقاء بينهما في ظروف سلبية بسبب خبرة خيبة الأمل التي عاشاها في أورشليم. ولهذا، نراهما يرددان مزامير خيبة الأمل واليأس (كانا "مكتئبين" آية 27)، وخيبة الأمل هذه تحول دون أن يكون اللقاء بينهما حقيقيا وحيّا. إن اللقاء بالآخر يبدأ بتفريغ أنفسنا من أنفسنا لكي نكون قادرين على أن نكون حقا في حضرة الآخر ونلتقي به لقاء حقيقيا وعميقا. إن اللقاء بالآخر يعني أولا الخروج، الخروج من الذات، لنتوجه إلى الآخر بحرية داخلية، فيكون بيننا وبينه تفاعل خلاّق. وإذا بقينا مشغولين بأنفسنا، فإننا نفقد فرصة اللقاء الغني بالآخر. واللقاء يتيح لنا أيضا أن نسحب الآخر من الإبهام فيصبح شخصا، كائنا بشريا، كما يتيح الانتقال من الرقم إلى الشخص، من العزلة إلى الشركة. بدل أن يكون الآخر شيئا، يصبح وجها، شخصا، وشخصا واقعيا له اسم، مع كل ما هو وكل ما لديه، بكل إمكاناته وطاقاته وحدوده أيضا. وعندما نلتقي بالوجه، تسقط الأفكار المسبقة والتصنيفات النمطية لنجد أنفسنا حيال شخص حيّ نعرفه ونتعرّف عليه ونعترف به. يقال إن الحضارة الشرقية هي حضارة الوجه. يقول الإمام علي: "الناس أعداء ما جهلوا". يكشف لنا الوجه حقيقة أو بالأحرى سر الآخر ويسمح لنا أن نتفاعل معه تفاعلا مثريا. إن اللقاء بالاسم هو اللقاء بالوجه، واللقاء بالوجه هو لقاء في الحق والمحبة والحنان والرحمة والرأفة.

الطريق ولغة الجسد

إن السير حركة الجسد، ومن خلال الجسد تتحوّل الحركة إلى لغة حيّة وغنية بالمعاني الموحية. في رواية تلميذي عماوس، تأخذ الحواس مجراها بكل دلالاتها: الأرجل تذهب، تسير، تمشي على الطريق، تقترب، تتوقف، تدخل، ترجع...؛ اللسان يقول، يتكلم، يفسّر، يشرح، يشارك، يناقش، يروي، يسأل...؛ وبمقابل اللسان، الأذن تسمع، تصغي...؛ الوجه يعبّر (كانا "مكتئبين" آية 17)...؛ العيون تنظر، تبصر، ترى (أو لا ترى)، تتعرف (أو لا تتعرف)، تنفتح...؛ الأيدي تأخذ، تبارك، تكسر، تعطي... بكلمة، تأخذ لغة الحواس مجراها وتلعب دورا أساسيا، فتعبّر عن انفعالات متضاربة وتكشف عن خفايا القلب وتعبّر عن قرارات وخيارات حاسمة. على الطريق، يتحرك الجسد وحركته لغة قائمة بذاتها. إن اللقاء بالآخر يتم من خلال الجسد.

تركّز الحركة الكشفية على لغة الجسد: فالأيدي تصنع، والأرجل تمشي، والأعين تنظر وترى وتتأمل... فقد طورت الحركة الكشفية منظومة تربوية تساعد المرء على أن يتصالح مع جسده، الذي يصبح، في هذه الحالة، طريقة للاتصال والتواصل مع الله، والآخرين، والذات، والطبيعة...

تريد ثنائية شائعة أن تجعل من الجسد عدو النفس. بعد التجسّد ("الكلمة صار بشرا وسكن بيننا" يو 1: 14)، أصبح الجسد مكانا لسكنى الله ومن خلاله تمرّ رسالة الملكوت. وهذا ما يستدعي سلوك طريق الزهد المستمر لكي ندرّب الجسد على التعبير عن الأشياء الإنسانية حقا فتصبح لغته لغة إنسانية بامتياز.

لسنا هنا بصدد تمجيد الجسد، كما يحصل غالبا في ثقافة اليوم، بل وضعه في إطاره الصحيح كجانب أساسي من الكيان الإنساني، بكل ما فيه من ازدواجية. فهو يقود إلى الموت، ولكنه أيضا مظهر من مظاهر الحياة. بعد أن يعدد تيارد دي شاردان عناصر الموت الكامنة في الجسد (ويدعوه "المادة")، يستطرد ويشير إلى مظاهر الحياة المتدفقة فيه: "غير أن المادة، في الوقت عينه، هي البهجة الحسيّة، الاتصال المثير، الجهد المؤنسن، فرح النمو. انها ما يجذب، ما يجدد، ما يوحّد، ما يزهر. بالمادة نتغذى،ونرتفع، ونرتبط بالأشياء، وتغمرنا الحياة.... أعطنا، يا إلهي، بقوة تجسدك المتألم، أن نكتشف القوة الروحية الكامنة في المادة".

الطريق مكان للحوار

إن الطريق مكان للحوار. فهو مساحة مجانية لنبدأ مع الآخر محادثة مجانية تبدو في ظاهرها لأول وهلة محايدة، ولكنها، في الواقع، تتيح تواصلا حقيقيا يمكن أن يؤدي إلى شركة في العمق. إن السير معا يعني أن نقبل الغريب ليصبح صديقا.

في حادثة تلميذي عماوس، يأخذ الحوار مجراه من أول الرواية إلى آخرها، ويتخذ أشكالا متنوعة ومعانٍ مختلفة، في حيوية متصاعدة ترافق الأشخاص وتفاعلاتهم ونموهم الروحي. فهو يبدأ بحوار بين اثنين (حوار في الكآبة)، ويستمر حوارا بين ثلاثة ( حوار يتطور من التساؤل إلى الألفة والتذكّر وتوقد القلب والضيافة والتعرف)، لينتهي بحوار بين كثيرين في الجماعة الملتئمة في أورشليم في نهاية الحادثة (حوار ينتهي بإعلان البشرى السارة للجميع).

يتكون الحوار من عنصرين أساسيين: الكلام والإصغاء.

1)  الكلام: إن الكلام هو وسيلة الاتصال الأكثر تداولا بين البشر. في حادثة تلميذي عماوس، نلاحظ طرقا أخرى للتواصل، وأهمها كسر الخبز. ولكن الكلام، وبنوع خصوصي في المراحل الأولى من اللقاء، يبقى الطريق الأهم. وما هو جميل في هذا النص هو أن يسوع، الذي يقترب من التلميذين انطلاقا من واقعهما، من حيث هما وما يعيشانه، يسألهما مرتين: أولا، عما كانا يتحدثان ويتجادلان (الآية 17)، ومن ثم يستفسر عن الأحداث ("ما هي؟" الآية 19). وهذا السؤال يحرر الكلمة، إذ يشرع أحد التلميذين برواية ما عاشاه وخبراه. والسؤال دعوة إلى التبادل. إن دعوة الآخر إلى الكلام والتحدث يعني أن ندعوه إلى أن يعبر عن نفسه، أن يكشف عن ذاته، أن يقول ما يتفاعل في داخله. والله يدعو إلى الكلام. في الإنجيل، كثيرا ما يدعو يسوع الناس إلى الكلام ليعبروا عن حاجاتهم، عن رغباتهم، عن جراحهم، عن حالاتهم النفسية، عن أوجاعهم، عن آلامهم. بينما يعمل الناس على إخراس الآخر، كما هو الحال مع أعمى أريحا (مرقس 10: 48)، يسوع يدعوه إلى الكلام: "ماذا تريد؟" (مرقس 10: 51). وأيضا، من الجميل أن نلاحظ، على الطريق الذي يقود إيليا إلى جبل حوريب بعد محنته مع الملك آحاب، أن الله يصرّ على السؤال: "ماذا بك، يا إيليا؟" (1 ملوك 19: 9) ويعود لاحقا ويطرح عليه لسؤال عينه (الآية 13). والسؤال يتيح لإيليا أن يعبر عن تشكياته ومخاوفه وخيباته وشكوكه واضطراباته وإحباطاته. إن الله يهتم بنا وبما نحن وبما نعيشه، حتى الأشياء الصغيرة من حياتنا. وهو يدعونا إلى الكلام لكي نعبر عما تضمره في قلوبنا أو يضغط عليها ونتمنى شعوريا أو لاشعوريا أن يأتي أحدهم ويسأل: ما بك؟ الحوار يعني أن نتكلم وأن ندعو الآخر إلى الكلام. في الكلام ولادة ما، وحي ما، حيوية ما، انطلاقة ما.

2) الإصغاء: المحور الثاني للحوار هو الإصغاء. والإصغاء موقف صعب يتطلب أن نفرّغ أنفسنا من أنفسنا لكي نكون تحت تصرف الآخر، فنصغي إليه من غير أن نحكم عليه أو نتشكك من كلامه أو ندينه. إن الإصغاء موقف مجاني حيال الآخر، وقوامه الانتباه، والاندهاش، والتعاطف. بهذه الشروط يكون الإصغاء محرِّرا. يعني الحوار أن نكون قادرين على أن نصغي إلى الآخر في غضبه وحالاته النفسية وخيباته وإخفاقاته ويأسه ومرارته. والإصغاء، بحد ذاته، ينطوي على قوة شفاء. وهذا ما صنعه يسوع، حيث استأنف الكلام مع التلميذين انطلاقا من روايتهما. وهنا تنقلب الأدوار، حيث مَن كان يتعلّم أصبح يعلّم. في الرواية التي نحن بصددها، يأخذ الحوار أشكالا متعددة. فإنه يبدأ بالمعلومة، ويستمر في التعليم، ومن ثم يتطور إلى الاكتشاف، ليصل أخيرا إلى المقاسمة والشهادة في نهاية الحادثة في أورشليم.

3) الحوار بين الكلام والإصغاء: إن الحوار تناوب بين الكلام والإصغاء، بين الكلمة والصمت. في الكلام، نقول أنفسنا للآخر ويقول الآخر نفسه لنا، وفي الصمت نصغي إلى الآخر ونأخذه مأخذ الجد، باحترام وحب. وهذا ينسحب على الآخر عندما يصغي إليّنا. وهذان الموقفان (الكلام والإصغاء) متكاملان ويجعلان من الحوار خبرة محررة ومثرية وحالة إنسانية خصبة. في مثل هذه الخبرة، يكتشف كل واحد هويته الذاتية باكتشاف هوية الآخر، وكلتاهما هوية علاقية، أي أنني لا استطيع أن أطور هويتي إلا في علاقة بالآخر. وبالعكس منها، الهوية المغلقة التي تفقرنا وتخنقنا وتحول دون اللقاء بالآخر والتفاعل معه والاغتناء بغناه. بمعرفة الآخر أعرف نفسي، وعندما أعرف نفسي أعرف الآخر أيضا بشكل أفضل، وذلك في دينامية دائمة ومثرية. إن الحوار يكشف لنا ذاتنا ويكشف للآخر ذاته، وبذلك يكتشف كلانا جمال ما هو إنساني. فهو يعيدنا إلى إنسانيتنا. الحوار يؤنسن. إنه ولادة.

حوار... مع من؟

1)  مع الله: في الحوار مع الله، مهما كان عسيرا في بعض الأحيان، نسير نحو ولادة جديدة. إن الحوار مع الله ميلاد في كل لحظة، في دينامية نتجاوز فيها ذواتنا لننمو ونكبر. إن الحوار مع الله حالة روحية يعيدنا فيها الله إلى ذواتنا ويلملم أطرافنا ويعيدها إلى المركز، الذي تتناثر منه شرارات الحياة بكل أشكالها. ليس الحوار مع الله إيحاء خياليا أو حديثا مع غيبيات ضبابية ومبهمة، بل هو حوار حقيقي مع إله حي يدخل في علاقة حميمة بنا.

2)  مع أنفسنا: قليلا ما يُذكَر هذا النوع من الحوار. إن الحوار مع الله ومع الآخرين يفرض أولا أن نكون قادرين على الحوار مع أنفسنا وقادرين على أن نصغي لأصواتنا الداخلية. بهذا الإصغاء نتصالح مع أنفسنا فنفتح الطريق للمصالحة مع الله ومع الآخرين. إن العجز عن محاورة ذواتنا يؤدي إلى العجز عن محاورة الله والآخرين.

3)  مع الآخرين: إن حضارة اليوم هي حضارة السرعة. فنحن في حالة ركض مستمر نحو شيء ما كثيرا ما لا نعرف ما هو. وبالتالي، فإننا نجد القليل من الوقت في حياتنا للإصغاء.  ولإننا في عجلة من أمرنا، فنحن نعيش في غربة عن أنفسنا وعمن يسير بمحاذاتنا، والغربة قاتلة. وهذا كله يجعل من الإصغاء حاجة إنسانية ملحة في عالم اليوم. إن تطوير الإصغاء لدينا يعني تطوير نوعية حياة أكثر كثافة. بالإصغاء ننتقل من المحاذاة إلى الشركة والمشاركة. بالإصغاء نرتقي إلى مستوى إنسانيتنا.

4)  مع الطبيعة: تركز الحركة الكشفية على الإصغاء للطبيعة: "أنظروا إلى طيور السماء... اعتبروا بزنابق الحقل..." (متى 6: 26،28). للطبيعة لغتها الخاصة بها. في الطبيعة انسجام وجمال يتكون من الأصوات والروائح والألوان والأحجام والأشكال، مما يجعل منها مساحة مجانية تريح القلب والروح وتفتح أمامهما آفاقا جديدة ورحبة وتحوّلها مساحة للفرح والابتهاج وانفتاح القلب إلى الله، لأن الطبيعة قبس من جماله. إن الحوار مع الطبيعة هو من اللحظات المجانية التي تنمي إنسانيتنا. ومن شديد الأسف أننا اليوم نقتل الطبيعة بدل أن نحاورها، ونجعل منها مقبرة جماعية بدل أن تكون مساحة لنمو إنسانيتنا.

في كل أشكال الحوار، هنالك نقلة نوعية بالحياة التي تتطور فينا وتجعلنا قادرين على المساهمة في بناء عالم أفضل. إن مستقبل البشرية وبشكل خصوصي في عالم اليوم - يمر بالحوار بجميع أشكاله.

على الطريق: من المعرفة إلى التعرّف

عندما نسير معا، يتعرّف الواحد على الآخر بشكل أفضل، إذ يدخل في علاقة حميمة به في جو من الإيجابية والتعاطف. ولكن المعرفة ليست إلا مرحلة نحو الاعتراف بالآخر، الاعتراف به كما هو وبما لديه، في احترام شخصيته وفرادته، بصفته كائن فريد له كرامته. إن الاعتراف به يعني الاعتراف بحقه في الحياة وبأن يكون ما هو عليه بعيدا عن الأقنعة، التي يضعها المرء على وجهه أو يضعها عليه الآخرون. فالمعرفة هنا ليست وسيلة من وسائل السيطرة على الآخر، كما يحصل كثيرا في عالم اليوم حيث نطوّر المعرفة بالآخر كي نتحكم به وندير مصيره كما نشاء (المعرفة المخابراتية، على سبيل المثال)، بل وسيلة للمشاركة والتبادل في الرحمة والحنان.

في رواية إنجيل عماوس، احتاج التلميذان إلى كثير من الوقت للانتقال من المعرفة إلى التعرف والاعتراف. فقد كانت أعينهما مغلقة ومعميّة بسبب خيبة الأمل والمرارة، التي لم يستطيعا تجاوزها ليتعرفا في هذا الغريب على معلّم الحياة الذي سبق وعرفاه، لا بل نراهما يتعجبان من جهل يسوع (الآية 18)، بينما يتعجب يسوع من غباوتهما وقلة إيمانهما ويلومهما على ذلك (الآية 25).

على مستوى المعرفة، يعرفان أشياء كثيرة: يعرفان "يسوع الناصري"، وأنه "كان نبيا مقتدرا على العمل والقول عند الله والشعب كله"، كما يعرفان كيف حكم عليه بالموت، ورواية النسوة اللواتي ذهبن إلى القبر، التي يرويانها على أنها ضرب من الهذيان الذي لا يُصدّق... وكل ذلك يخبران به بوجوه مكتئبة، مما يدل على مدى الآمال البشرية التي وضعاها في يسوع وبالتالي على عمق خيبة الأمل التي يشعران بها الآن بعد أن تبخرت هذه الآمال. ولكن هذه الأشياء التي يعرفونها عن يسوع لم تصل إلى مستوى التعرف على يسوع الحي والاعتراف به، علما بأن يسوع سبق وأعدهما لذلك أكثر من مرة أسوة بسائر التلاميذ. إنهما يرويان بوجوه "مكتئبة"، ولروايتهما نبرة الخطاب الجنائزي الذي يعبّر عن موت الأمل فيهما. ويسوع هو الذي سينقل تلميذي عماوس من الأحداث إلى معانيها الكبيرة الكف